دولة ما بعد الثورة، أى ثورة، تتشكل بعوامل عدة، وعلى رأسها ما يرفعه الثائرون من شعارات وما يحددون من أهداف والأهم من كل ذلك مدى التزامهم بهذه الأهداف وقدرتهم على التوفيق، وليست المفاضلة، بينها. هذه كانت المقدمة النظرية، ولأن شهر يوليو كان من الأشهر المفضلة لكثير من الثوار والمغامرين السياسيين، فيمكن رصد كيف حققت بعض الثورات أغلب أهدافها وأخرى كانت أقل حظا من ذلك ولماذا؟.
فقد شهد شهر يوليو 1776 إعلان المستعمرات الأمريكية الاستقلال ومن ثم الثورة ضد التاج البريطانى فيما اعتبرته بريطانيا آنذاك حربا أهلية. وأهم ما فى هذه الثورة أنها جسدت دور القيادة وقدرتها على أن تغيير مسار التاريخ إذا ما توافرت لها الرؤية والإرادة. فهؤلاء الثوار كان لديهم تصور ليس فقط لما لا يريدونه (التبعية للنظام البريطانى) ولكن كذلك ما الذى يريدونه (جمهورية لا يوجد فيها حكم ملكى أو إقطاع وراثى وتعرف التوازن بين السلطات بما يضع المؤسسات وقوانينها فوق الأشخاص ونفوذهم، وفقا لجيمس ماديسون الرئيس الرابع للولايات المتحدة وفيلسوف هذه الثورة بحق). إذن هؤلاء كانت معهم الخريطة التى تحدد لهم ماذا يريدون وكيف، لكنهم كذلك احتاجوا إلى البوصلة والقيادة القادرة على أن تقود المسيرة نحو تحقيق الهدف. والحقيقة أنه لا يمكن إغفال دور جورج واشنطن، القائد الميدانى للثورة، والذى عاد منتصرا من معاركه ضد الإنجليز فى معارك كثيرة رغما عن إخفاقات رفعت حرارة المعارضة له وشككت فى قدراته القتالية. عاد الرجل إلى مزرعته بعد أن سلم الكونجرس رسالة خطية تفيد أنه أنجز ما أوكله إليه الكونجرس من مهام محاربة الإنجليز وطردهم وعليه فهو يستأذن فى الانصراف. وكان منطق جورج واشنطن أن على الجيش أن يعود إلى ثكناته بعد أن ينجز مهامه القتالية. أما شئون الحكم فهى تترك للساسة من المدنيين أو حتى العسكريين المنتخبين، وألا يحكم الجيش كمؤسسة وإلا «تحول حكم العسكر إلى استعمار من نوع جديد» كما قال. والمثير للتأمل هو قول ملك بريطانيا آنذاك جورج الثالث، عدوه اللدود، بأن عودة واشنطن إلى الحياة المدنية وعدم محاولته ترجمة انتصاراته العسكرية إلى مكاسب سياسية ستجعل منه واحدا من أعظم شخصيات التاريخ.
ولكن يبدو أن كراهية الاستبداد ورفض النزعة الانفرادية فى السلطة تجرى فى دماء البعض، بالذات أولئك الذين لديهم خبرة جيدة فى معرفة العواقب السلبية للاستبداد. وهذا كان أهم ما ميز الآباء المؤسسيين للولايات المتحدة، فهم قارئون بارعون للتاريخ وبلغات مختلفة منها اللاتينية والفرنسية وقطعا الإنجليزية، وعلى اطلاع بتجارب عديدة حتى أن بعض مناقشاتهم تشير إلى استفادتهم من خبرات سليمان القانونى واضع الأسس الدستورية للدولة العثمانية فى مجدها. وكان جورج واشنطن لا شك واحدا من هؤلاء. فحتى بعد أن انتخبه الكونجرس بالإجماع كأول رئيس للجمهورية، وأخذ القسم كرئيس فى نيويورك كان يفضل أن يعيش فى مزرعته فى فيرجينيا وأن يدير شئون الدولة من هناك ولما وجد أعضاء الكونجرس أن وجود الرئيس بعيدا عن عاصمة الاتحاد يعيق العمل الحكومى اتخذ الكونجرس قرارا بأن يقيم الرئيس حيث توجد العاصمة. وهنا ثار أنصار الرئيس ودافعوا عن حقه فى اختيار المكان الذى يريد أن يعيش فيه وبدا الأمر كما لو أن الرئيس سيأمر الجيش بمحاصرة الكونجرس أو حله وفقا للتقاليد الأوروبية آنذاك (وهى بدائل لا وجود لها فى الدستور الأمريكى). ولا شك أن الرئيس وجيشه كانا آنذاك أقوى فاعلين سياسيين بحكم ظروف الاستقلال وهشاشة المؤسسات الفيدرالية الأخرى التى حقيقة كانت مجرد حبر على ورق. ومع ذلك غلّب الرجل المؤسسة على الفرد، والكونجرس على العسكر وأعلنها بكل احترام للشعب الذى اختار نوابه فى الكونجرس: «إن رئيس الولايات المتحدة يقيم حيث يريد ممثلو شعب الولايات المتحدة». وهذا القرار وأمثاله كثير، وراكم بكل وضوح نزعة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لإقامة حكم مؤسسى أفضى إلى ديمقراطية مستقرة على الأقل فى حدود من كان مسموحا لهم بممارسة الحقوق السياسية مستبعدين المرأة وغير البيض ابتداء ثم القبول بدورهم السياسى تدريجيا.
وبالانتقال جنوبا إلى أمريكا اللاتينية يتبين أن ثوارها كانوا أقل ثقافة وإطلاعا على تجارب الدول الأخرى مقارنة بنظرائهم فى أمريكا الشمالية، بل كانوا أكثر تخبطا بشأن ما الذى كانوا يرفضونه وما الذى يريدونه. وحينما لا تعرف تحديدا أين تريد أن تذهب فكل الطرق ستأخذك هناك وكل الطرق لن تأخذك هناك أيضا، لأن «هناك» ليست موضع اتفاق أو تعريف محدد من قبل القائمين على شئون الدولة، فلا هناك خريطة ولا يوجد بوصلة. فالبدائل غير واضحة والاختيارات انفعالية غير مدروسة. والحق أن اجتماعات ثوار الأرجنتين، على سبيل المثال، من أجل إعلان ثورتهم على التاج الإسبانى، الذى كان أصلا قد تهاوى تحت ضربات نابليون فى مطلع القرن التاسع عشر، تؤكد أنه حينما يحكم دولة ما مجموعة من المغامرين على غير هدى أو رؤية واضحة فإن التخبط سيد الموقف، وهذا هو الفارق بين أمريكا الشمالية والجنوبية فى المكانة العالمية رغما عن التشابه الشديد فى الثروات الطبيعية. ورغما عن أن الثائر العظيم سان مارتن لعب دورا عسكريا مشابها لدور جورج واشنطن فى أمريكا الشمالية، لكن انشغاله بتحرير بقية بلدان أمريكا اللاتينية بما فيها شيلى وبيرو وأورجواى قلل من دوره السياسى. ورغما عن أنه نجح فى تحقيق استقلال الأرجنتين فى 9 يوليو 1816 فإن ثوار الأرجنتين كانوا شديدى الانقسام على أنفسهم وتحكمت فيهم الشعارات وتسجيل المواقف من ناحية والتهديد الدائم باللجوء للعنف من ناحية أخرى، فمنهم من يفضل حكما ملكيا، ومنهم من يريد دولة فيدرالية على النمط الأمريكى، ومنهم من يريد الجمع بينهما ومنهم من يرفض كليهما. وضاعت عوائد الاستقلال بسبب حرب أهلية ضروس استمرت حوالى عشر سنوات وبدا الأمر آنذاك أن حكم الإسبان كان أفضل لمجتمع لا يجمع قادته على اختيارات محددة، حتى انتهى بهم الأمر إلى حكم ديكتاتورى نشأ لوقف نزيف الدماء وظلت الأرجنتين لمدة ثلاثة قرون تتأرجح بين الفوضى والحكم الاستبدادى وما يرتبط به عادة من فساد حتى هزيمة فوكلاند فى عام 1982. هنا بدأت الأرجنتين تراجع مسيرتها لتكتشف أن ثوارها أحسنوا الثورة لكنهم لم يحسنوا بناء الدولة.
Friday, July 17, 2009
ثورات يوليو فى الأمريكتين
Friday, July 10, 2009
قيمُنا وقيمُهم
تشكل شركة IBM (International Business Machine) فى العقل الأمريكى إجمالا ولدارسى إدارة الأعمال نموذجا لا يمكن إغفاله فى المهارة والإتقان وحسن التنظيم.. واعتبرتها دورية جامعة هارفرد لإدارة الأعمال Harvard Business Review نموذجا يستحق الدراسة بل والتقليد كمثال للمهارة التنظيمية والإدارية على نحو جعل كل قرار يتخذ من قبل مجلس الإدارة أو المديرين التنفيذيين موضع دراسة مباشرة إما من باحثين كبار أو من طلبة الدراسات العليا فى الجامعات المختلفة، بل قد اختيرت فى أكثر من دراسة كتجسيد مباشر لنظريات فى الإدارة وعلم النفس التنظيمى بما فيها نظرية ديفيد ماكليلان David McClellandعن أسباب تفاوت المؤسسات والمجتمعات فى قدرتها على الإنجاز. وحتى لا أفيض فيما قد لا يفيد، فهذه الشركة من المؤسسات الاقتصادية القليلة جدا فى الولايات المتحدة التى لم تتأثر كثيرا بالأزمة الاقتصادية العالمية الحالية بحكم عناصر المؤسسية وقواعد الحكم الرشيد التى التزمت بها الشركة فى تاريخها الطويل. وهى قواعد تحكم جميع العاملين كبارا وصغارا وفقا للدراسات الشهيرة فى هذا الصدد. وسبب الكتابة عن IBM فى هذه المقالة هو حوار مع أستاذ إدارة أمريكى من أصل هندى فى معهد ماساتشوتس التقنى MIT الشهير، وكان موضوع الحوار كيف أن الحكومة الهندية الحالية تعمل بكد من أجل استيراد «القيم» الأمريكية فى الإدارة وليس فقط «قواعد» الإدارة الأمريكية، مشيرا إلى العديد من الدراسات الميدانية التى تثبت أولا التفاوت الضخم فى القيم الحاكمة للموظف فى عدد من دول العالم المتقدمة مقارنة بعدد من دول الجنوب.
والطريف أن هذه القيم لم تكن منفصلة عن القواعد الحاكمة «وفى كثير من الأحيان غياب هذه القواعد» للمؤسسات المختلفة.
فعند هؤلاء التسيب خط أحمر، اللامبالاة خط أحمر، والإهمال خط أحمر، وهو ما ذكرنى بحديث رموز الحكومة المصرية المتكرر أن أمن مصر خط أحمر، ولكن يبدو أنه بمفهوم المخالفة أصبح التسيب والإهمال واللامبالاة والرشوة خطوطا غير حمراء.
وبشىء من التأمل تبين لى أننا، فى مصر على الأقل، لدينا نسخة مصرية من آى بى إم تفهم على أنها: إن شاء الله، وبكرة، ومعلهش. وكما أن IBM رمز لثقافة معينة تحكم قطاعا واسعا من المجتمع الأمريكى، فآى بى إم المصرية ترمز لثقافة التراخى وعدم احترام القوت والإجابات غير القاطعة والاستعداد للتسامح فى الجودة والكفاءة والمهارة.
ورغما عن أن «إن شاء الله» هى فى الأصل جزء من أمر قرآنى للنبى الكريم (ص) بأنه إذا عزم على أمر ما فليقدم المشيئة حتى يضيف إلى قوته المحدودة حول الله وإرادته اللامحدودتين. أما فى ثقافتنا الشعبية، بل والحكومية، فإن «إن شاء الله» تحمل إحدى دلالتين: إما هى جزء من الإكسسوارات الدينية المسيطرة على حياتنا، وإما هى استدراك شرطى يفيد بأن الإنسان لم يقطع أمرا، وعليه لا يعرف السامع هل المقصود أن المتحدث سيفعل أم أنه يستبدل كلمة «لا» بعبارة «إن شاء الله» فتتحول من أداة عزيمة ونية واستدعاء للهمة إلى أداة تثبيط وترقب وعدم يقين.
وهو ما لا يبدو بعيدا عن «بكرة» و«معهلش» فهذه الثلاثية تشكل باختصار حياتنا المعاصرة والتى هى خليط معيب من فهم مغلوط للدين ونظم حكم بين الضعف والفساد وثقافة شعبية لا تعطى أولوية لقيم الإنجاز والإبداع والانضباط. والأسوأ من كل ذلك أن ينشأ الجيل الجديد على نفس القيم. لقد قرأت وانزعجت بشدة من تعليقات طلاب الثانوية العامة على أسئلة الامتحانات سواء الصعوبة أو الطول أو الغموض أو الخطأ فى ترجمة الأسئلة. لقد أعطينا لهم جرعة مكثفة من فنون الإهمال والتسيب واللا منطق وإهدار تكافؤ الفرص، وغالبا سيتجرعونها وتصبح جزءا من تكوينهم فى المستقبل.
وكما يقول المناطقة بضدها تتميز الأشياء، فأنا أقارن ما قرأته من تعليقات طلبة الثانوية العامة المصريين بعدة حوارات مع طلبة الـhonors programs أو برامج الطلبة المتفوقين فى جامعات ولاية ميتشجان الأمريكية. والهدف من هذا البرنامج فى الأصل أن يتفاعل مجموعة من الشباب المتفوق مع أساتذة الجامعة والمديرين الناجحين والنشطاء فى العمل التطوعى، كى يكونوا قدوة للشباب الأمريكيين من ناحية، وللإجابة عن أسئلتهم من ناحية أخرى. وفى حواراتنا معهم يكون الطلاب حريصين على التعرف على أسباب نجاح كل واحد من هؤلاء ونحن عادة لا نبخل عليهم بالنصائح القائمة على إتقان العمل وبذل الجهد والخروج من دائرة الراحة والاسترخاء لتجربة ما هو جديد ومبتكر، والحديث دائما عما يوفره النظام التعليمى والاجتماعى والاقتصادى الأمريكى من فرص للشباب وكيف يمكن لهم استغلاله. وهذا ليس بغريب، ففلسفة التعليم فى المجتمعات الحية والناهضة أن يقوم الأفضل أخلاقيا وعلميا بمهام تربية وتعليم الأجيال الصاعدة.
وحتى لا أطيل على القارئ الكريم، لقد رأيت المستقبل يصنع فى قاعات النقاش الأمريكية، ورأيت أمامى أن القطاع الأوسع من الشباب الأمريكى المتفوق فى ولاية ميتشجان يسير على نفس نهج زملائى من الباحثين وأساتذة الجامعة من احترام العلم والعلماء وتقدير الدور الذى تقوم به المدرسة والجامعة وكيف أن مجهودهم مقدر ومحترم وكيف أن عدالة النظام ليست موضع تساؤل وأن نظرتهم النقدية لمجتمعهم ونظامهم السياسى تهدف إلى تحسين النظام وتطويره وليس الخروج عليه أو الحنق منه، وليس تدميره وإنما إصلاحه.
وفى المقابل، يبدو النظام التعليمى فى مصر فى عيون الكثير من الطلاب وأولياء الأمور ككيان عبثى يحابى الأغنى والأقوى، وبدلا من احترام الأستاذ المعلم القدوة وجدت نموذج نجيب الريحانى وهو يجيب عن سؤال مدرب الكلب فى فيلم «غزل البنات» عن مهنته، فرد نجيب الريحانى: أنا بتاع علم، أنا بتاع كتب بتهكم مصحوب بشعور باللاقيمة واللا معنى واللا منطق. إذا كان واقعنا لن يتغير بسبب تزوير الانتخابات وملحقاتها، وإذا كان مستقبلنا لن يتغير بسبب تسريب الامتحانات وملحقاتها؛ فهذا قطعا سؤال مشروع: هل أجمل ما فيها ماضيها؟
سامحونى لو قلت هناك عوار حقيقى فى ثقافتنا الشعبية لا يقل عن العوار فى إدارة الحكومة لشئون مصر لكننا مررنا بما هو أسوأ فى تاريخنا، ومع ذلك حقق الإنسان المصرى المعجزات.
Saturday, July 4, 2009
Friday, July 3, 2009
المصريون بين الموت والغفلة والحيرة والأمل
زرت مصر زيارة سريعة فى وقتها لكنها كانت ثرية فى دلالاتها. وكان فيها الكثير مما يستحق أن يرصد بما فى ذلك مناقشة كتابى «المسلمون والديمقراطية» فى برنامج «البيت بيتك.» وليسمح لى القارئ أن أسجل ابتداء اندهاشى من كلمات التشجيع التى جاءت من مشاهدين لا أعرفهم مباشرة على نحو جعلنى أستحضر نصيحة بعض الأصدقاء حين هممت فى فترة سابقة بأن أقلل من كتاباتى باللغة العربية وأن ألتفت أكثر للكتابة باللغة الإنجليزية، لأن الجامعة التى أعمل بها فى الخارج ستحاسبنى على ما يستطيعون قراءته، لاسيما وأن القارئ العربى مشغول بالكتابات الخفيفة الساخرة والتعليقات السريعة فى الصحف السيارة، أما ما أكتب فهو من الدسامة وربما ثقل الظل ما يجعله كإضاعة للوقت بالنسبة لى لأنه غير مقروء، وكإضاعة وقت له لأنه غير مفهوم. وكانت نصيحة المستشار طارق البشرى آنذاك أن أستمر فى الكتابة حتى وإن بدا لى أنها كتابة بلا عائد وحجته فى ذلك أن مساحة غير المتوقع وغير المقصود أكبر كثيرا من مساحة المتوقع والمقصود عند من يحاولون تغيير العقول وتوعية الآخرين. وضرب مثلا بنفسه أنه شخصيا تأثر بما تعلمه وقرأه من الكثير من أعمدة القانون فى مصر، لكنه لم يكن فى دائرة معرفتهم به أو وعيهم بوجوده.
والحقيقة أن فى كلام المستشار الفاضل الكثير ما يدفع للأمل. فبحق نحن لا نعرف فى من نؤثر ونحن نكتب. وهو ما جعلنى أستحضر نموذج سعيد بن زيد، زوج أخت عمر بن الخطاب (رضى الله عنهما)، الذى كان سببا مباشرا فى إسلام هذا الأخير. فقد لا يكون كاتب ما قادرا على أن يفعل ما فعل عمر، ولكنه يمكن أن يكون سببا فى ظهور عمر آخر، وما ذلك على الله بعزيز.
لكن المفاجأة أن عددا من المشاهدين المصريين سمع ووعى بل وتفاعل مع هذا اللقاء التليفزيونى لدرجة أدهشتنى لأن الموضوع شائك وشاق على المتحدث وكذا على المستمع. لكن يبدو أن هناك فئة من المصريين مستعدون للإنصات والتفاعل مع طريقة مختلفة فى التفكير وفى النظر إلى قضايانا، حتى لو كانت موضع تحفظ أو انتقاد من قبل البعض. لا أعرف نسبة هؤلاء تحديدا ولكنهم موجودون حائرون يبحثون عن إجابات على أسئلة تتخطى حدود مصالحهم الشخصية، أسئلة من قبيل: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ لماذا الديمقراطية فى أوكرانيا وجورجيا وليس فى مصر وسوريا؟ كيف نستعيد دورنا الحضارى الذى فقدناه؟
إذن، وبشىء من التأمل، فإن مجتمعنا ينقسم فى علاقته بأسئلة النهضة والحضارة إلى فئات أربع، وبقدر نسبة كل فئة فى المجتمع يمكن أن نحدد إن كانت النهضة قادمة أم بعيدة.
أولا: هناك أشباه الموتى بيننا وهم فئة من الناس فقدوا القدرة على الإبصار لأنهم فقدوا أجهزة الإبصار نفسها وهؤلاء ما جعل الله لنا إليهم أو عليهم سبيلا لأنهم اختاروا الاستقالة من الحياة العامة. «ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون». والمطلوب أن تنجح أجهزة التنشئة العامة (مثل المدرسة وأجهزة الإعلام) أن تكف أذاهم عنا بأن تحبط نزعتهم بأن يخرجوا لنا جيلا آخر على شاكلتهم من أبنائهم.
وهناك ثانيا: أهل الغفلة، وهم فئة من الناس لديهم جهاز الإبصار سليم، ولكنهم أغمضوا أعينهم عن الواقع الذى يعيشون فيه، لأن خبرة الحياة علمتهم أنه «مسيّرون» بلا اختيار، ولا يعرفون حجم الطاقة الموجودة داخلهم، كى يساعدوا أنفسهم والآخرين. وهؤلاء هم وقود الاستبداد وسر بقاء الفساد والظلم فى أى مجتمع. وهم يشكلون مع السابقين عليهم إمعات المجتمع الذين لا يحسنون إلا مصادفة.
وهناك ثالثا: الحيارى، وهم فئة من الناس فتحوا أعينهم لكنهم لم يروا نورا فتساووا مع من ليست لهم قدرة على الإبصار لأن البيئة الخارجية لم تمدهم بالنور الذى يحتاجونه، وهؤلاء هم الذين يحتاجون كتابات المثقفين ومشاركتهم الحية فى نقاشات المجتمع على أمل أن نوقظ فيهم الأمل والوعى. ويبدو أن الحوار التليفزيونى الذى شاركت فيه قد أعطى الأمل وشيئا من الفكر لهؤلاء فاعتقدوا أن مشكلاتهم ومشكلات مجتمعهم قابلة للحل إذا ما أعطينا الفرصة لمن يمكن أن يساعدنا على تلمس طريق الخلاص.
ورابعا: من امتلك القدرة على الإبصار ورأى النور بالفعل، وهؤلاء هم أهل الفكر والرأى الذين يعطون مجتمعاتهم كفاء ما تتوقع منهم من جهد ودراية. وهؤلاء هم الذين عليهم أن ينبهوا الغافلين (الفئة الثانية) وأن يهدوا الحائرين (الفئة الثالثة). بيد أن هذه الفئة نفسها تنقسم فى مدى نشاطها إلى ثلاثة أنواع: بعضهم يقف موقف المثقف الراهب الذى يعرف ويقرأ ويطلع ولكنه ليس على استعداد للمشاركة فى التغيير إما يأسا أو انشغالا، ومنهم من يتصف بخاصية المثقف (بفتح القاف) المثقف(بكسر القاف)، وهم أولئك الذين وجدوا أن عليهم بالإضافة لدورهم فى تحرى المعرفة والأفكار، أن ينشروها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وهؤلاء كثيرون عددا قليلون جودة فى مجتمعنا العربى بصفة عامة. لكن هناك صنف ثالث أطلق عليه الفيلسوف الماركسى الشهير جرامشى «المثقف العضوى» الذى ينخرط فى واقعه بالدراسة ثم بالتغيير من خلال الالتحام المباشر مع قطاع واسع من المواطنين الذين يعتبرونه قائدهم. إن هؤلاء هم الذين يتصفون عادة بخاصيتى: القدرة على الخيال Power of Imagination والشعور بالواقع Sense of Reality فى نفس الوقت.
هذا الفريق الرابع هو الماء الذى يحيى الصحراء القاحلة. «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.» وهؤلاء يحتاجون إلى التضامن والتكاتف، كتفا بكتف، حتى لا يصيبهم الملل واليأس، وألا ينجروا إلى معارك جانبية تأخذهم بعيدا عن هدفهم الأصيل وهو غياث الأمة من بحور الظلمة.
قال تعالى: «فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما.» وبالقياس، فليكتب فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يكتب فى سبيل الله فينجح أو يخفق فسوف يؤتيه الله أجرا عظيما، شأنه فى هذا شأن من يعلم ويبنى ويزرع فى سبيل الله. إن مسئولية أصحاب الكلمة أن يبثوا فى الناس الأمل والعمل وما بينهما من علم، ولكن ليس عليهم العائد والناتج لأنهم لن يستطيعوا أن يتدخلوا فى قدر الله وتوفيقه.
وبمعنى أقل تجريدا، إن من يتصدى للكلمة المكتوبة ولمخاطبة الرأى العام يتمثل نموذج الإمام محمد عبده والذى لم يحقق الكثير من النجاح فى حياته، لكن كتاباته وتلاميذه أحدثوا ثورات فى الاقتصاد (طلعت حرب)، وفى السياسة (سعد زغلول)، وفى العمل الشعبى (حسن البنا)، وفى الإصلاح الدينى (الشيخ المراغى). ويوم أن أخفق نجيب فاضل فى السياسة فتحول عنها إلى الفكر ثم الشعر والتصوف ما كان يدرى أنه سيخلف فكرا ومنهجا فى العمل يؤثر فى الفتى رجب طيب أردوغان الذى أخذ المنهج وأنزله منزل الفعل والتنفيذ بحكم تكوينه وبحكم تعلمه من خبرات وأخطاء السابقين عليه. بل إن تأثير «عودة الروح» لتوفيق الحكيم على الطالب جمال عبدالناصر حسين مسألة لم ينكرها هذا الأخير، بغض النظر عن تقييمنا لنوع التأثير واتجاهه.
إن أصحاب الأقلام الشريفة بحاجة لأن يتواصوا بالأمل مع الحق، وإن لم يكن أى منهم عمر بن الخطاب، فهم يسيرون على نهج سعيد بن زيد. والأجر عند الله، ألم يجعلهما ربهما من العشرة المبشرين بالجنة على تفاوت نصيب كل منهما فى العطاء الدنيوى.
Friday, June 26, 2009
حاولوا أن يحيونا فأمتناهم بتجاهلنا إياهم
للشيخ محمد الغزالى ملاحظة بارعة عن قول الحق سبحانه «اقرأ» كأول كلمة استقبلتها أذن الرسول الكريم (ص) من آخر رسالات السماء. وملاحظة الشيخ هو أن أمر «اقرأ» ورد غير متعد لمفعول. فلم يقل الحق اقرأ ماذا وإنما ركز على المنهج بأن نقرأ باسم ربنا الذى خلق مع التذكير بكيف أن الله خلق الإنسان من علق وكيف أنه علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. واتخذ الشيخ من هذه الآيات دليلا على جمع الأمر القرآنى بين الدين والعلم والفلسفة: اقرأ فى كتاب الله القرآن أى تدين وآمن واقرأ فى كتاب الله الكون أى تعلم وتفكر. ونفس الدلالة نستقيها من كتاب الأستاذ العقاد الشهير: «التفكير فريضة إسلامية» مع أن الأصل فى الأمور أن التفكير خاصية إنسانية، لكن العقاد وجد أن بعض المسلمين يجدون حرجا فى أن يطلقوا العنان لتفكيرهم وإبداعهم الشخصى، وهو نفس ما ذهب إليه الزكى النجيب محمود حينما صدر كتابه «رؤية إسلامية» بفصل عنوانه «أنا المسجد وأنا الساجد» أى أننا نحن المسلمين جعلت لنا الأرض مسجدا فالمعمل مسجد والعالم ساجد فيه وهو يعمل والمدرسة مسجد والمدرس ساجد فيها وهو يدرس والمشفى مسجد والطبيب ساجد فيه وهو يعالج مرضاه. فالمسلم مسجد وساجد فى آن معا. هذا ما ينبغى أن يكون وإن شئت فقل هذه هى القيم التى نمنا فى نورها، واستيقظ الآخرون فى ظلام غيابها، فتراجعنا وتقدموا. هذه كانت رسالة كل كتاب ومفكرى النهضة فى مصر طوال القرن العشرين، وقد حالوا جاهدين أن يحيونا من موت جهلنا لكنهم ماتوا جسدا وأمتناهم جسدا يوم أن ملأ الساحة من يستفيدون من تخلفنا ويغذونه مدعين أنهم يحاربونه من أجلنا.
دعونى أقول إن مجتمعاتنا تمر بمشاكل هيكلية. كالمبنى الذى تحتاج أساساته إلى إعادة تأهيل. القضية ليست فى دهان حجرة هنا أو تغيير عتبة سلم هناك. إن قوة خلطة المسلح التى نبنى بها الكبارى والأبنية الشاهقة لا تأتى من الرمل منفردا أو من الأسمنت منفردا أو من الحديد منفردا بل من خلطة محكمة بموازين معينة وعناية خاصة أفردت لها العلوم وأتقنها البشر بالعلم والتجربة حتى استقرت خطوات إجرائية منتظمة عند أهل الاختصاص من مهندسين إنشائيين ومدنيين بما يجعل مساحة الاجتهاد الشخصى فيها قليلا للغاية. والأمر ليس ببعيد عن كيفية حل الصراعات الاجتماعية والسياسية (أى التعايش) فى المجتمعات المعاصرة فهى مسائل انتهت علوم اجتماعية كثيرة من مناقشتها والوقوف على عواملها وكيفية تحقيقها. هل قرأتم هذه العبارة الأخيرة؟ لقد وردت فيها كلمة «علوم» ولكن من فى الدولة أو المجتمع يعبأ بالعلم والعلماء؟
إننا نعيش حالة من الخواء الفكرى جعل العلم شهادة لا قيمة لها سواء باعتمادنا على الدروس الخصوصية التى تحول لك كل ما قد يستدعى التفكير والإبداع والتأمل إلى مجموعة عبارات تحفظها كى تكتبها فى موضوع التعبير الذى هو فى الأصل اختبار للطالب فى حسن استغلال ما تعلمه نتيجة القراءة والاطلاع على المقررات المختلفة، لكن المدرس الشاطر يحول كل هذا إلى عدة عبارات يحفظها الطالب كى يكتبها فى بداية موضوع التعبير وفى خاتمته، فيتوقف إبداع الطالب وحسن استغلاله لما تعلم، وكذا فى العلوم الأخرى. احفظ المعادلة واكتبها ثم اكتب تحتها أى كلام فى الامتحان. هل هذا علم؟ لا هذه فهلوة، وكذا الدعوة للتعايش بانتقاء التجارب الجميلة من الماضى ونسيان أصل المشاكل.
ثم أين الثقافة العامة فى أمور الحياة من قصة ورواية وشعر بل حتى مشاهدة الأفلام الجادة مثل قنديل أم هاشم، التى فوجئت بأن البعض قد درسها فى الجامعة لكنهم ما فهموا منه ما ذكرته فى إحدى المقالات عن صراع العلم والخرافة فيها، وغيرها من الأفلام مثل الزوجة الثانية وما يصوره من إساءة استغلال الدين من قبل البعض، وفيلم ابن الحداد ليوسف وهبى والذى أعتبره درسا فى قيمة العمل واحترام الذات، وغيرها من الأفلام الجادة التى أعتبرها واحدة من أهم وسائل تكوين أى إنسان سوى فى مجتمعنا. وإذا كنت من هواة الأفلام الأجنبية شاهد فيلم «عقل جميل» الذى يحكى عن جون ناش واحد من أعظم علماء الاقتصاد وعن نضاله ضد مرضه النفسى حتى انتصر عليه وصولا إلى جائزة نوبل.
لقد تراجع كل هذا وأصبحنا أمام غلبة للتدين الشكلى الذى يحرص بعض الدعاة والعلماء على أن ينبهونا ألا نقف عند حدود الشكل فيه لكنهم حقيقة يغذون هذه النزعة الشكلية دون أن يدروا. أتدرون لماذا؟ لأن خلطة المسلح التى يصنعونها فيها الكثير من الرمل والقليل من الحديد والأسمنت، فيهوى البناء. فيها الكثير من الغيبيات الدينية والقليل من العلم والفلسفة.
الداعية لابد أن يكون داعية دين (عقيدة وأخلاق بالأساس) وعلم (وهو ما لن يحصله إلا إذا قرأ فى العلم بقدر ما يقرأ فى الدين) وفلسفة (وهو ما لن يحصله إلا إذا اطلع على إسهامات المفكرين والفلاسفة من الشعوب والمجتمعات الأخرى). فالدين بلا فلسفة سيكون شكليات تهتم بتوافه القضايا وتنعزل عن قضايا المجتمع الحقيقية، والدين بلا علم سيكون غيبيات واتكالية على سنن الله الخارقة التى ما وعد الله بها أحدا إلا بعد أن يكد ويكدح عملا بسنن الله الجارية. والفلسفة بدون دين ستكون شطحات وخروج عن المألوف والمقبول، والفلسفة بدون علم ستكون مثاليات نسمع عنها ولا نعرف كيف نصل إليها، والعلم بدون فلسفة سيكون أداة للدمار لأنه سيكون منزوع الأخلاق، والعلم بدون دين سيقف متحديا لقيم المجتمعات المتدينة فيرفضه العوام ولا يفيدون منه. إنها خلطة متوازنة متكاملة يلعب فيها كل مصدر من مصادر المعرفة الإنسانية دوره. كخلطة الخرسانة التى يشد بعضها بعضا، فلا مفاضلة بينها وإنما التكامل. لكن التحدى الذى نواجهه أننا أكثر تقبلا لمظاهر الدين دون عمقه وطاقته الهائلة.
وهذا ما وعاه كبراؤنا وعلمونا إياه لأنهم حاولوا أن يحيونا لكننا أمتناهم بتجاهلنا إياهم. فحين نظر ابن تيمية فى أحوال المسلمين فى منتصف القرن الثالث عشر الميلادى وجد أن حفظة القرآن وصحاح الحديث من الكثرة بما لا يمكن عده ومع ذلك كان فى الأمة من الوهن ما لا يمكن إغفاله مقارنة بما كان عليه المغول فقال قولته الشهيرة: «إن برع غير المسلمين فى علم من العلوم أو فن من الفنون أو فرع من الفروع، ولم يكن فى المسلمين نظيره فقد أثم المسلمون». وهو ما قرره الشيخ محمد الغزالى بقوله: «ما الذى يفيد الإسلام إذا طلق المسلمون الدنيا وتزوجها غيرهم» وبينهما مئات الإشارات من علماء ومفكرين كثيرين وجدوا ألا سبيل للنهضة إلا بأن تخلق بأخلاق النهضة. وأخلاق النهضة ترتبط بالعلم والتفلسف بقدر ما ترتبط بالدين وذلك بأمر الدين ذاته وإلا لماذا أمرنا الله أن نسير فى الأرض لننظر كيف بدء الخلق، أو أمرنا أن نسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم؟.
إن هذا المأزق الحضارى الذى تعيشه مجتمعاتنا العربية متعدد الجوانب والأسباب والمظاهر لكن أخطر ما فيه أننا غير واعين به أو على الأقل نحن متعايشون معه؛ فالهندى أو الصينى أو الكورى الشمالى أو الجنوبى أو الإسرائيلى أو الإيرانى لم يقبل أن يحيا حياته عالة على مجتمعات العالم الأخرى فى المعرفة والتكنولوجيا فطفقوا وبسرعة يخرجون من أطر الصناعات التقليدية التى اعتادوا عليها لعقود إلى آفاق أرحب يكونون فيها ليسوا فقط مستخدمين فوق العادة لما ينتجه الغرب من سلع وخدمات وإنما منافسون للغرب فى أكثر ما كان يتميز به الأخير. إن الخلل فى العلاقة بين الدين والفلسفة والعلم جزء أصيل من تراجعنا فى مسارات الحضارة الست التى ناقشناها من قبل. وهو ما قد يحتاج مناقشات متعمقة فى المستقبل لكن أمورا أكثر إلحاحا تلوح فى أفق مجتمعنا المصرى بما قد يتطلب إعادة توجيه دفة النقاش إلى قضايا مصر الداخلية لعدة أسابيع قادمة.
Friday, June 19, 2009
تخلفساد
تخلفساد
وقبل التعمق أكثر، فأنا مدين بالتعليق على التفاعل المتباين للقراء الكرام مع مقال الأسبوع الماضى عن القدرة الإفسادية للدولة.
فقد تبارى كثيرون فى التعرض لأمثلة من واقع خبراتهم عن تراجع القيم الأخلاقية فى حين بدت أقلية من القراء أكثر استعدادا للدفاع عن القيم السائدة فى مجتمعاتنا العربية المعاصرة استنادا لحجتين: الأولى يلخصها الحديث الشريف: «الخير فىّ وفى أمتى إلى يوم الدين» والأخرى أن صحوة التدين المنتشرة فى مجتمعاتنا تؤكد أن المجتمعات العربية بخير. وليسمح القراء الكرام أن أختلف معهم فى الاحتجاج بالحديث دون وضعه فى سياقه وكذلك فى الاهتمام المبالغ فيه بالإكسسوارات الدينية التى هى قفز فوق الأخلاق أكثر منها تعميق لها.
فالحديث الشريف، وأمثاله كثير، لا يبدو لى حديثا تقريريا أى يقرر واقع الناس المعيش دائما ولكنه أقرب إلى أنه «ينبغى أن يكون الخير فى أمة الرسول العظيم إلى يوم القيمة.» وهذا الخير فى جوهره موجود لكننا نقترب منه ونبتعد بقدر التزامنا بقيم وأخلاقيات كثيرة لا أعتقد أنها مستقرة فى مجتمعاتنا دائما. وهذا الحديث أقرب إلى الآية الكريمة التى تقول: «إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم» وكأن المعنى ينبغى على المؤمنين أن يكونوا أخوة بحيث لا يتقاتلون. إذن فخيرية الأمة ليست واقعا بغض النظر عما يفعله المسلمون وإلا تصيبنا آفة أخرى من آفات بنى إسرائيل المذكورة فى القرآن بالاعتقاد أننا نسخة مسلمة من «شعب الله من الأخيار».
أما بشأن التدين الشكلى الذى نرى ملامحه فهو تفريغ للدين من جوهرة. ويدخل فى تعارض مباشر مع آخر مصدرين من مصادر الإلزام الخلقى التى ناقش مقال الأسبوع الماضى أول مصدرين منها (العقل والمجتمع).
فالمصدر الثالث للإلزام الخلقى وهو ما يسميه البعض بالحاسة الخلقية أو الضمير.
وهو أقرب إلى آية من آيات الله فى خلقه حتى من غير البشر، فيجعل لديهم شعورا بعدم الارتياح لفعل ما.
كما جاء فى الحديث الشريف: «الإثم ما حاك فى نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس».
والغريب أن القطة إذا أعطيتها قطعة لحم فإنها تقف بجوارك لتأكلها فى شموخ صاحب الحق، أما إذا سرقت منك هذه القطعة من اللحم فإنها تجرى مسرعة لتختبئ شعورا منها بأنها ارتكبت فعلا لاأخلاقيا.
وهذا ما يقوله أنصار هذه المدرسة مثل باتلر وشافتسبراى والكثير من الصوفية بأن اطمئنان النفس السوية لفعل ما أو تلاومها بشأنه يعنى أن المرء يواجه مأزقا أخلاقيا. وهذا النوع من الإلزام الخلقى يبدو الأضعف بحق إذا لم يجد البيئة الاجتماعية التى تدعمه لأنه كبذرة توضع فى أرض بور.
أما المصدر الرابع من مصادر الإلزام الخلقى فهو الدين وهو الحل الأمثل بل الأوحد عند الكثيرين منا. وهذه معضلة لأن الدين وحده، كما هو الحال فى حالة التدين الشكلى الذى نعيشه، لن يكون ذا تأثير أخلاقى فعال ما لم تتعاضد معه جميع مصادر الإلزام الخلقى الأخرى.
ونقطة البداية هى فهم ما هو الدين، وتحديدا الدين الإسلامى. فالإسلام له مكونات ستة رئيسية: العقيدة وكل ما يرتبط به من إيمان بالله وملائكته ورسله.
والعقيدة لا بد أن تترجم إلى عبادات (المكون الثانى) من صلاة وصوم وغيرهما.
ويبدو أن الكثير من المسلمين لا يجعلون عقيدتهم محل شك ولا يقصرون فى أداء العبادات.
بيد أن العقيدة والعبادات لهما بعدان آخران يستقيمان تماما معهما، وهما: الأخلاق والمعاملات.
فالدين يرسم لأتباعه خريطة من الفروض والمستحبات والمباحات والمكروهات والمحرمات ويجعل فى المحرمات ما هو من الصغائر وما هو من الكبائر، ويجعل من الفروض ما هو ضرورى على كل فرد من أفراد المجتمع (فرض عين مثل الصلاة) أو فرض كفاية يقوم به البعض دون البعض الآخر (مثل التخصص فى مجال معين من مجالات العلم).
ثم يضع الإسلام تحديدا، وهو أقرب فى ذلك إلى اليهودية منه إلى المسيحية، هذه الخريطة الأخلاقية وما يرتبط بها من معاملات (بالإيجاز أحيانا وبالتفصيل أحيانا أخرى) فى إطار قواعد قانونية حاكمة وهى الشريعة (المكون الخامس) وما تتضمنه من عقوبات وحدود (المكون السادس). وفى هذه المجالات الأربعة الأخيرة يبدو الخلل عميقا لدرجة تجعلنا نكرر مقولة محمد عبده: «مسلمين بلا إسلام».
فالشق الأخلاقى فى تديننا شديد الضعف. فالدين، سواء كان أرضيا أو سماويا، له تأثير كبير على المؤمنين به. ويكفى أن ننظر إلى المعاناة الشديدة التى يعانيها الحاج سفرا وسعيا وطوافا ومبيتا ابتغاء مرضاة ربه الأعلى الذى وعده بأنه سوف يرضى.
ويروى التاريخ تفاصيل تحول العديد من الشخصيات العظيمة من الكفر إلى الإيمان.
فما الذى دفع عمر بن الخطاب أن يتحول من معاقر للخمر يحبها ويدمنها إلى رجل «كأنه يرى الله بعينيه» كما وصفته امرأة تقدم لخطبتها فرفضته؟ بيد أن الدين فى ذاته احتاج دائما للسلطان القاهر بجواره حتى يردع من لا يبلغ الإيمان منهم مبلغ اليقين. وعليه قال أبوحامد الغزالى: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أى إن الله يردع بالقانون من لا يقبل أن يردع بالخوف من الله.
وهذا هو جوهر الخلل أن ما يقوله الفقهاء والعلماء والدعاة كالحرث فى البحر أو كالانفعال اللحظى الذى ينتهى بمجرد أن يخرج المستمع من الدراما الدينية التى تأتى مع القصص والمرويات المنتقاة بعناية للتأثير على المستمعين، بيد أن هؤلاء لا يجدون سندا من مصادر الأخلاق الأخرى.
فلو تصرف المسلم بالمثالية المستدعاة من الدين (بما تحمله من قيم نبيلة مثل الزهد والعفة والقناعة)، فأغلب الظن سيعيش حالة من الفصام النفسى لأن واقعه لا يشجعه على ذلك بما فى ذلك واقع الكثير ممن يدعونه لتبنى هذه القيم. فداعية مليونير يناضل بالكلمات المنمقة فى استوديوهات الفضائيات دون أن يقدم تضحية حقيقية دفاعا عن أى موقف يتبناه ليس الشخص المناسب لتربية الناس على الزهد والقناعة والجلد.
والأصل فى الأمور أن تتضافر مصادر الإلزام الخلقى حتى تكون الرسائل الاتصالية القادمة من الدولة ومن دور العبادة ومن الأسرة ومن أجهزة الإعلام متسقة تحمل نفس القيم، فتتحول اللوائح والقوانين إلى قيم وعادات يتقبلها الناس ويعيشون عليها.. وهو ما لمسته مثلا حين زرت اليابان زيارة خاطفة تبين لى فيها أن الثقافة والقانون والدين يقفون جنبا إلى جنب لإعلاء قيم العمل والإتقان واحترام خصوصية الآخرين والحرص على الصالح العام.
أما فى الكثير من المجتمعات العربية ومنها مصر، فلقد فقد المجتمع بوصلته على نحو يجعل المرء يتساءل من وما الذى يحدد للإنسان العربى الخير والشر، الحلال والحرام، المقبول والمرفوض، الصلاح والفساد؟ وهل فقدت مصادر الإلزام الخلقى الأربعة قدرتها على التأثير فى حفيد الفراعنة الذى كان يعتقد أجداده أنهم محاسبون على كل ما يفعلون بما فى ذلك تلويث النيل وعقوق الوالدين وما ينطق به اللسان؟
كيف لى أن أقنع الناس بالتزام القوانين واللوائح فى حين أن القائمين عليها أنفسهم يستخدمونها لتحقيق مآربهم الشخصية؟
كيف لى أن أقدم على فعل الخير وبيئتى الصغيرة تحذرنى من أن فعل الخير فى كثير من الأحيان ما هو إلا مقدمة لخدعة أو عملية نصب يقوم بها شخص ما ضدى؟.
كيف لنا أن نعتمد على الدين وحده فى بناء الشخصية المصرية من جديد فى الوقت الذى نتمسك فيه بالشكليات ولا يبدو لنا ديننا رادعا عن الكثير من الموبقات؟ إننا كمصرين ندفع مليارات الجنيهات فى تكرار الحج والعمرة ولا نعيد توجيه أولوياتنا لبناء المدارس والجامعات والتى هى لا شك فريضة أكثر من نافلة تكرار الحج والعمرة.
تشير بيانات البنك الدولى إلى أن مصر مثلا حققت فى عام 2007 نسبة 36 بالمائة فى قدرة الدولة والمجتمع فى السيطرة على الفساد، فى حين أن إسرائيل حققت 75 بالمائة مقارنة بالدول الاسكندنافية التى تقترب من مائة بالمائة.
تحدى الأخلاق خطير لأنه يعنى أننا لسنا فقط متخلفين ولكن بيننا من هو حريص على التخلف لأنه يحقق له مصالحه، وهذا هو الفساد. ومن هنا يأتى عنوان المقال: تخلفساد.
Thursday, June 18, 2009
زيارة أوباما.. وعالم جورج أورويل
أعمده
زيارة أوباما.. وعالم جورج أورويل
Saturday, June 13, 2009
لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟
أعمده
لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟
Friday, June 12, 2009
القدرة الإفسادية للدولة
ومسار الأخلاق والمبادئ والقيم، ومسار العلم والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، ومسار الإنتاج والثروة والتراكم الرأسمالى، ومسار الصراع والسلاح وإدارة الحروب.
وقد يكون من المفيد مناقشة قضية الأخلاق والمبادئ والقيم والتى هى فى الأصل مفاهيم دوارة ينفذ بعضها إلى بعض. فالأصل فى الأمور أن الأخلاق هى مجموعة من المبادئ والقيم التى يلتزم بها صاحبها بغض النظر عن العائد المادى أو المعنوى المرتبط بها. بل إن قمة التزام الإنسان بالأخلاق يتجلى فى أن يلتزم المبدأ حتى وإن تعارض مع المصلحة.
ولكن من وظيفة النظام السياسى والإدارى فى أى دولة ألا تجعل الإنسان يختار بين المصلحة والمبدأ وإنما تجعلهما معا اختيارا واحدا فيصبح الخيار الأخلاقى هو الخيار العقلانى وتجعل من الفساد اختيارا غير عقلانى، ولنأخذ مثالا على ذلك. فلو خالفت إشارة المرور فى الولايات المتحدة فسيستوقفنى ضابط الشرطة ليعطينى مخالفة عادة فى حدود المائة دولار. فلو قررت أو قرر الضابط أن يتصرف على نحو غير أخلاقى، فسيجد كل منا أنه يتصرف على نحو غير منطقى ولا يخدم مصلحته.
فمثلا لو قررت أن أدفع له رشوة فلا بد أن تكون أقل من المائة دولار قيمة المخالفة. ولكن هل سيقبل هو؟ الإجابة: لا، لأنه ليس من العقلانية له أن يختار الفساد لأن مبلغ المائة دولار أو ما دونها أقل كثيرا مما يغريه لأنه يحصل سنويا على راتب فى حدود 60 ألف دولار وامتيازات صحية وتأمينية أخرى سيفقدها جميعا إن ثبت أنه حصل على هذه الرشوة.
إذن فالنظام مصمم على نحو يجعل من الغباء أن تكون فاسدا. وسيصبح الفساد خيارا عقلانيا، كما هو الحال فى مصر مثلا، حين يكون راتب الموظف العام ضعيفا لدرجة تجعله يبحث عن المبررات كى يتصرف على نحو غير أخلاقى. فلو كان راتب الضابط الأمريكى 20 ألف دولار فى السنة والمخالفة مائة دولار.
هنا سيكون الفساد بديلا مبررا عقلانيا ويستحق المغامرة فى ضوء ضعف راتب الضابط. وكذا لو كان راتبه فى حدود الـ60 ألف دولار سنويا لكن قيمة المخالفة 1000 دولار، فساعتها قد يقبل رشوة مقدارها 500 دولار مثلا لأن قيمتها تستحق المغامرة حتى مع راتبه الكبير نسبيا.
وكذا الأمر مع الفساد المالى والسياسى والذى يودى بصاحبه إلى السجن أو إلى الإقالة لاسيما مع تداول المناصب الإدارية والسياسية والتى يكون معها المسئول الجديد غير راغب أو مستعد لأن يتحمل أخطاء السابقين فيكشف فسادهم إن وجد كى يبرئ ساحة نفسه.
كل ما سبق يؤكد أن من وظيفة النظام السياسى أن يدعم الأخلاق وأن يجعلها اختيارا عقلانيا بأن يوفر لمواطنيه فرصا حقيقية تجعل المرء يعمل لله وللوطن وللحياة الكريمة دون أن يجد الحاجة للاختيار بينهم. وهذا ما فشل فيه كثير من مجتمعاتنا.
وللموضوع أساسه الفلسفى حيث هناك مصادر أربعة رئيسية للإلزام الخلقى، لا بد أن تتكامل لتنتج مجتمعا أخلاقيا، وهو ــ للأسف ــ ما فشلت فيه الكثير من مجتمعاتنا ذات الأغلبية المسلمة، مع نجاحات مهمة فى حالات استثنائية.
أما مصادر الإلزام الخلقى هذه فهى على النحو التالى: أولا العقل، فعقل الإنسان يجعله يفكر فى أنه من مصلحته المباشرة أن يلتزم بالمبادئ التى لو خالفها، فسيخالفها الآخرون حتى لا يقع فريسة لبطش من هو أقوى منه. وبالتالى أنا لا أركن سيارتى أمام مدخل البيت الذى بجوارى لأننى لو فعلت ذلك فقد أعطيت فرصة لغيرى أن يركن سيارته أمام مدخل بيتى. وهكذا لو رفعت صوت الموسيقى من بيتى، فهذه رخصة للآخرين بأن يفعلوا المثل، ولما ارتاح مريض قط. ورائد هذه المدرسة بامتياز فى الفكر الغربى كانط وقد سبقه فى الفكر العربى ابن رشد وابن سينا.
وهناك مدرسة ثانية ترى أن المصدر الرئيسى للإلزام الخلقى هو المجتمع. فحينما يتراضى مجتمع ما على مجموعة من القيم والمبادئ فإنها تصبح أخلاقه بمثابة الهواء الذى يتنفسه، فلماذا لا أذهب إلى الجامعة بلباس النوم الرجالى على الرغم من أنه يستر كامل العورة؟ لأن المجتمع تراضى على أن ملابس النوم للمنزل وليست للعمل. وهكذا، فحينما يسرى فى مجتمع ما ثقافة ختان الإناث مثلا فإن المجتمع يجعل من هذه العادة خلقا من يحيد عنه فقد أخطأ.
ويرى أنصار هذه المدرسة أن قوة المجتمع أقوى من قوة العقل كمصدر للإلزام الخلقى إلا إذا كانت هناك قوة تملك أن تحول العقل وما يمليه إلى قوانين مكتوبة ونافذة فى المجتمع. وعليه فإن قال المجتمع بعادة ختان الإناث فإن العقل، مترجما فى قوانين الدولة وحسن إدارتها لأدواتها، يقف للمجتمع رادعا ومقوما. ومن هنا جاءت مقولة: «الحاكم المستنير».
فاستنارته لا تفهم إلا فى ضوء أنه لا يعتبر نفسه أسير المجتمع الذى يحكمه، وإنما هو مصلح له مستخدما سلاح العقل وأدوات الإكراه المشروع التى تملكها الدولة. وهو ما جعل فريدريك الثانى فى روسيا، وجورج واشنطن فى الولايات المتحدة، وأحمد بن طولون ومحمد على فى مصر أقوى من المجتمعات التى عاشوا فيه وكانوا إضافة لها حين غيروها.
بيد أن يحيى حقى أشار فى روايته العبقرية «قنديل أم هاشم» لقصة الدكتور إسماعيل الذى ذهب إلى الغرب ليتعلم طب العيون وعاد إلى بيئته التى اعتادت على علاج أمراض العيون بزيت القنديل، قنديل أم هاشم، تبركا وأملا فى الشفاء. وهنا كان الصراع بين مصدرين من مصادر الإلزام الخلقى: العقل ممثلا فى العلم، والمجتمع متمثلا فى الخرافة. وقد اصطدم العلم بالخرافة، وكاد الدكتور إسماعيل يفقد حياته ظنا من العامة أنه خرج عن الدين لرفضه استخدام زيت القنديل.
لكن العالم الحق حكيم يعرف أن من واجبات العلم أن يستوعب الخرافة ليقضى عليها. وقد فعلها بطل «قنديل أم هاشم» بأن وضع العلاج الطبى السليم فى زجاجات تشبه الزجاجات التى كان يضع فيها المخرفون زيت القنديل وأوهم الناس، أو هكذا فعل، أنه يعالجهم بزيت القنديل.
وحينما اطمأن الناس له، وللعلم الذى أتى به وللعقل الذى يمثله، كان عليه أن يصارحهم بأن علاجه الموضوع فى زجاجة الزيت ما هو إلا نتاج العلم والطب والمعرفة، وهكذا فإن للعلم بيئته التى تحترم العقل ابتداء، فمحاولة استخدام العلم فى علاج مشكلات مجتمع لا يحترم العلم، هى محاولة غير علمية بل غير عقلانية فى حد ذاتها.
إذن فالعقل كمصدر للإلزام الخلقى ينبغى أن يقود المجتمع، لكنه لن يفعل إلا إذا حكم وساد وسيطر على أجهزة الدولة والمجتمع معا حتى يواجه قرونا من الخرافة والغيبيات اللاإيمانية.
وقد لاحظت خللا بنفسى مع طلابى فى الجامعة حين أرى فيهم اتكالية ابتدعوها ونسبوها ظلما للإسلام. وقد كانت قضية «القوة التدميرية للحسد» مناطا للنقاش مع بعضهم. فتساءلت: هل من الممكن أن أنظر إلى مبنى شاهق نظرة حسد فيتحول إلى كومة من التراب؟ وهل يمكن أن نرسل إلى إسرائيل 100 حاسدة فيدمرنها بنظرات العين وكلمات اللسان؟
ولو كان هذا الاختراع مقبولا، فلماذا لم يكتشفه غيرنا من أبناء الحضارات الأخرى؟ الحسد موجود ونؤمن به كمرض من أمراض القلوب، كما نص القرآن الكريم، أما إذا لم يتبعه صاحبه بكيد وفعل يحول الشعور الذاتى إلى طاقة تدمر الآخرين فلا قدرة له على التدمير أو النيل منهم، وإنما يظل شعورا يأكل صاحبه، حتى وإن ساد فى ثقافة المجتمع ما يشير إلى غير ذلك. فيضع صاحب السيارة الجديدة خرزة زرقاء كى «تأخذ العين».
هذا يترك لمقال الأسبوع المقبل فرصة مناقشة المصدرين الآخرين مع تطبيقات مباشرة على أوضاعنا المصرية.
Friday, June 5, 2009
كيف نعوض ما فاتنا فى مسار الحكم وإدارة شئون الدولة؟
واحدة من وظائف العلم أن يحول ما هو استثنائى إلى قوانين، وما هو خارق للعادة إلى قواعد حاكمة. فلا شك أن أول طيار كان شخصا معجزا بمعايير عصره، أما الآن فقواعد الطياران مسألة يتم تعلمها فى معاهد متخصصة على نحو جعل قيادة الطائرة مهنة كأى مهنة أخرى فى قواعدها ومهاراتها. وهكذا الأمر فى بناء المؤسسات التى تنهض بالدول وتعالج مشكلات المجتمع حيث توجد مقررات دراسية متخصصة فى الهندسة المؤسسية وقواعد إدارة شئون الحكم بناء على التجارب الناجحة والفاشلة فى قطاعات العمل العام المختلفة. فما أنجزه مهاتير محمد فى ماليزيا أصبح جزءا من معرفة إنسانية يمكن تكرارها لمن يفهم ويستوعب خبرته فى هذا المقام.
هذه كانت المقدمة، أما متن الموضوع، فهو مناقشة ما انتهى إليه مقال الأسبوع الماضى من البحث فى كيفية نهضة الدول وانتقالها من حالة التخلف إلى حالة التقدم فى مسار الحكم وإدارة شئون الدولة. وحتى لا يبدو الأمر اختراعا لا أصل له، فمن حق القارئ أن يعرف مثلا أن كاتب هذه السطور يقوم بتدريس مادة على مستوى الدكتوراه لمناقشة «الاقتصاد السياسى للتنمية» وهى مادة ثرية بتجارب الدول المختلفة التى حققت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أسف فإنه باستثناء ماليزيا وتركيا فإن ما يمكن أن نتعلمه من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة قليل.
ولكن من المفارقات أن دولة مثل السودان لها من الإمكانات الطبيعية ما يفوق ما لدى ماليزيا عشرات المرات، كما أن البنية العرقية والانقسامات الأولية لدى الدولتين متقاربتان بشدة. لكن شتان ما بين الدور الذى لعبته القيادة السياسية فى كل من الدولتين. وهو ما جعلت كلاسيكيات العلوم السياسية تصنف القيادة كواحدة من أهم عناصر قوة أو ضعف الدولة. وقصارى القول، فإن الدول التى نهضت تجمعها عدة خصائص تبدأ من قيادة ذات رؤية عصرية قادرة على استيعاب التحديات وبناء مؤسسات قادرة على مواجهتها. والحديث عن بناء المؤسسات هو بالضبط كالحديث عن تحويل ما هو استثنائى إلى قانون وما هو خارق للعدالة إلى قواعد حاكمة. فلو نجحت تجربة ما، فلا بد من مأسستها، أى تحويلها إلى قواعد مؤسسية قابلة للتكرار.
بل إن الإدارة الناجحة للمؤسسات تلعب دورا مهما فى تغيير الثقافة السائدة فى المجتمع، فتصورات المواطنين عن مجتمعهم ودورهم فيه يزيد وينقص بقدر ثقة المواطنين فى قدرة مؤسسات الدولة على أن تنهض بمسئولياتها وأن تضمن لهم صوتا مسموعا وحقوقا مشروعة. وحتى لا يكون الكلام نظريا أكثر من ذلك فإن مجتمعاتنا بحاجة لبناء واحترام القواعد الحاكمة لمؤسسات ست تتسم جميعها بالاستقلال والمهنية. وهذه المؤسسات الست هى:
1 ــ قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية سواء بتدخلها المباشر عن طريق التعيين أو بمحاولة الإغواء بالمنح والمنع؛ لأن القضاء المشكوك فى نزاهته يعنى انهيار القانون وشيوع الفساد. وبدلا من تعديل كل هذه المواد من الدستور المصرى، كان من الأهم تعديل المادة 93 من الدستور الخاصة بحق مجلس الشعب فى الفصل فى صحة عضوية أعضائه بعد الاطلاع على تقارير محكمة النقض، بما يجعل من المجلس خصما وحكما فى صحة العضوية على نحو يتيح للأغلبية الحق فى التخلص من القوى النابضة فى المعارضة، ومن ثم تدجين الكثير من العناصر التى لها حصانة برلمانية بحكم المنصب وفقا للدستور. فلو كان حكم القضاء وحده يكفى فى التخلص من المزورين، لكان لدينا برلمان يعبر حقيقة عن إرادة الناخبين. ولا يكفى، والأمر كذلك، أن يعلن رئيس الدولة احترامه لاستقلال القضاء، لأنه كم من أمور يعلنها الرئيس وتضرب بها الحكومة عرض الحائط فيما يبدو وكأنه توزيع أدوار بين الرئيس الذى يقول ويعد وجهازه التنفيذى الذى يعرف أن ليس كل ما يعلنه الرئيس يعنى التنفيذ. وأفضل النماذج بين دول الجنوب فى مهنية واستقلال القضاء تأتى من الإصلاحات القضائية التى شهدتها شيلى فى آخر عشرين عاما.
2 ــ بنك مركزى مستقل يعمل على الاستقرار النقدى والاقتصادى ويخضع فى ذات الوقت لرقابة صارمة من البرلمان؛ لأنه المسيطر على قرارات ترتبط بتدفق الأموال المتاحة للاستثمار والاستهلاك من خلال أداتى سعر الفائدة وسعر إعادة الخصم، فضلا عن أنه القابض على الاحتياطى النقدى وأموال الحكومة وإصدار البنكنوت، فضلا عن أن فساد القائمين عليه يجعله بابا دوارا لأموال الفساد بتحويلها للخارج. ويقدم البنك المركزى لكوريا الجنوبية واحدا من أفضل النماذج فى هذا الصدد.
3 ــ وجود وسائل إعلام وصحافة مستقلة ومهنية؛ لأنها الضامن لتدفق المعلومات الدقيقة والأفكار الجديدة فى المجتمع. إن تاريخ المؤسسات الإعلامية والصحفية المملوكة للدولة فى كل دول العالم المتخلفة يؤكد أنها الأقل قدرة على فضح الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان والأكثر استعدادا للمبالغة فى الإنجاز والاستبسال فى الدفاع عن تحالف السلطة والثروة والإكراه المفضى إلى الفساد. وحين ندرس تجارب دول الجنوب الأخرى فإن جنوب أفريقيا تقدم المثال الأفضل فى استقلال ومهنية مؤسسات الإعلام.
4 ــ إنشاء لجنة انتخابية مستقلة ومحصنة ونافذة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها وحتى نهايتها. ولكل صفة من الصفات الثلاث معنى يستحق التأمل، فهى مستقلة بحكم القانون عن أى حزب أو جهة أعلى منها، وهى محصنة من التدخلات السياسية لمن هم فى موقع السلطة، وهى نافذة أى قادرة على اتخاذ قرارات تصل إلى حد إلغاء الانتخابات إن كان فيها شبهة تزوير أو بيع أو شراء. ويكون عادة القضاة المنتخبون هم الأفضل للقيام بهذه المهام. وهو تحدٍ يتطلب رغبة أكيدة فى بناء دولة يكون فيها القانون فوق أشخاص الدولة بعيدا عن الشللية والمحسوبية ومحاباة من بيدهم المال والسلطان. ولنا فى الهند الكثير من العبر والدروس فى هذا المقام.
5 ــ جهاز خدمة إدارى مدنى يقوم بدوره فى تنفيذ السياسة العامة للدولة على أساس من الكفاية والكفاءة. والمقصود بالكفاية أن يكون موظفو الدولة فى وضع اقتصادى يسمح لهم باحترام القوانين والسهر على تنفيذها دون الحاجة للرشاوى والإكراميات مع تغليظ العقوبة لأقصى درجة ممكنة بحيث يعود للموظف العام مكانته ودوره الأصيل فى خدمة المجتمع وتنفيذ السياسة العامة للدولة. أما الكفاءة فهى مسألة تدريب وتأهيل مع استعداد لتبنى نموذج ساعات العمل الممتدة ليلا وفى الإجازات بما يساعد على الاستفادة من الطاقة العاطلة من الموظفين. وهو ما لايبدو أن الدولة المصرية فى تاريخنا هذا قد أنجزته وبما يضع عبئا ضخما على نخبة المستقبل لمواجهته. وهنا يبرز مثال تايوان تحديدا كأفضل الأمثلة لجهاز الخدمة المدنى الذى يتمتع بالكفاية والكفاءة.
6 ــ الاستقلال المهنى لأجهزة القمع المشروع «القوات المسلحة والشرطة» فلا ينبغى أن يكون فى الدولة إلا جيش واحد وجهاز شرطة واحد ولا مجال لأى قوى مسلحة أخرى داخل حدود الدولة. ويحسب للرئيس مبارك أنه حقق درجة عالية من مهنية القوات المسلحة المصرية بحيث تبتعد عن أى دور سياسى مباشر كمؤسسة، بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على الإطلاق على الشرطة المصرية التى تمارس دورا سياسيا متصاعدا فى تأمين استمرار الحزب الوطنى فى الحكم سواء بمنع الناخبين من التصويت فى الانتخابات أو المرشحين المعارضين من استكمال عمليات الترشيح أو اعتقال المعارضين الذين يخرجون عن نطاق «الكلام» إلى نطاق الفعل، بما جعل البعض يتحدث عن عودة «الدولة البوليسية» التى كنا نظن أننا ودعناها. وتقدم جمهورية التشيك نموذجا ناجحا فى تحقيق هذا الاستقلال المهنى لأجهزة القمع داخل الدولة. إن تراجع عدد كبير من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، ومن ضمنها مصر، فى مسار السياسة والحكم وإدارة شئون الدولة يقتضى الاجتهاد بشدة من أجل تحقيق مهنية واستقلال هذه المؤسسات عن سيطرة الأحزاب والأسر الحاكمة، وإلا سنظل نعيش فى مجتمعات اقطاعية المضمون تأخذ من الحداثة قشورها، ويحلم أبناؤها بما لا يستطيعون.