Saturday, June 13, 2009

لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟

أعمده

بقلم:
جلال أمين

13 يونيو 2009 09:32:37 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 7

لماذا لَبِس أوباما العِمّة؟

عندما أعلن عن عزم الرئيس الأمريكى الجديد باراك أوباما على زيارة القاهرة، قيل إن السبب رغبته فى توجيه خطاب إلى «العالم الإسلامى» ولم يقل إن الغرض إجراء مباحثات مع الرئيس المصرى، ولا توجيه خطاب إلى العالم العربى، بل للمسلمين.

والرئيس أوباما عندما جاء إلى القاهرة لم يتضمن على أى حال إلا مدة قصيرة للغاية مع الرئيس مبارك، ولا تحدث الاثنان، كما يحدث عادة، فى مؤتمر صحفى مشترك، بل كان واضحا أن مقابلته للرئيس المصرى كانت للمجاملة، تمت أساسا للمحافظة على المظاهر الضرورية، وكذلك للتعزية الواجبة فى وفاة حفيد الرئيس.

ولكن أوباما خرج من قصر القبة متجها إلى جامع السلطان حسن، فلماذا يا ترى اختير هذا المكان ليقضى فيه أوباما ساعة من ثمانى ساعات ثمينة هى كل ما سيقضيه فى القاهرة؟ لا يمكن أن يكون السبب حب أوباما للآثار الإسلامية، أو للآثار بصفة عامة.

بل لابد أن يكون لزيارة جامع السلطان حسن دافع سياسى أيضا، يتعلق بلا شك بما يراد للزيارة أن تحدثه من أثر، عن طريق وسائل الإعلام، على نفوس المسلمين فى مختلف أنحاء الأرض.

الصحفيون الذين يدعون للالتقاء بالرئيس الأمريكى، على قلتهم، يضمون صحيفة إندونيسية وأخرى ماليزية. والخطاب نفسه ملىء بالمقتطفات من القرآن الكريم، وأوباما يؤكد فيه على أن «حسين» جزء من اسمه، على الرغم من أنه تم تغيير ديانته وهو صغير وتعميده مسيحيا، وأنه قال الكثير أثناء حملته الانتخابية لتملق الكنيسة. لقد أخطأ خطأ بسيطا أثناء خطابه فقال «حجيب» بدلا من «حجاب» ولكن المسلمين الحاضرين غفروا له ذلك لكثرة ما عبّر عنه فى الخطبة من إعجاب بالإسلام ومبادئه، ولأنه حياهم فى بداية الخطاب ونهايته بالتحية الإسلامية الصحيحة «السلام عليكم»، وقال إن مما يشرفه أن يستضيفه فى القاهرة مؤسستان مرموقتان إحداهما الأزهر، «بالإضافة إلى جامعة القاهرة»، كما أشاد بدور الإسلام فى الحضارة الإنسانية.

أثناء ذلك كله تجاهل أوباما «متعمدا بلا شك» الإشارة إلى أى شىء «عربى»، فليس هناك اعتراف بأى شىء يجمع العرب، هناك فى المنطقة «أديان» ولكن ليس فيها «قوميات». ربما كانت القومية العربية مفيدة وتستحق التشجيع منذ خمسين أو ستين عاما، عندما كان من المفيد تعبئة العرب لطرد الانجليز والفرنسيين من ناحية، وضد الاتحاد السوفييتى من ناحية أخرى. (أو كما كانت بالطبع فى أوائل القرن العشرين عندما كان من المفيد تعبئة الشعور العربى ضد تركيا).

أما الآن فالعروبة معيار فاسد للتجمع والتكتل، إذ إنها توحى بوجوب التضامن مع الفلسطينيين وضد إسرائيل، بينما يؤدى التركيز على الدين الآن، إلى الاعتراف بحق اليهود فى دولة مستقلة مثل غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى.

لقد تكررت الإشارة فيما كتب من تعليقات على هذا التودد من جانب أوباما للمسلمين، وعلى إشادته بالإسلام، إلا أن أوباما إنما يريد تصحيح أخطاء الرئيس السابق بوش الذى دأب على إغضاب المسلمين بإلحاحه على اقتران الإسلام بالإرهاب، حتى كاد يستقر فى الأذهان أن الإرهابى هو بالضرورة مسلم، والمسلم بالضرورة إرهابى، مما زاد من حنق المسلمين للولايات المتحدة، وأنه قد آن الأوان لتصحيح هذا الخطأ.

ولكننى لا أميل إلى تفسير سلوك أوباما فى مغازلة المسلمين بأنه مجرد اعتراف بخطأ سابق ورجوع إلى الصواب، بل يبدو لى أن ما كان ملائما فى فترة لم يعد ملائما فى فترة تالية، وأن الذى كان يخدم مصالح إسرائيلية وأمريكية فى عهد الرئيس السابق بوش، لم يعد هو أفضل الوسائل لتحقيق المصالح الإسرائيلية والأمريكية الجديدة. فما الذى جدّ؟

******

لقد انقضى ما يقرب من ثمانى سنوات على أحداث 11 سبتمبر، حدثت خلالها أشياء مهمة فى العالم. كان الاقتصاد الأمريكى يبدى منذ وقت طويل مظاهر الضعف، والتدهور المستمر فى المركز النسبى للاقتصاد الأمريكى فى العالم ككل. فى نفس الوقت كانت نجوم أخرى تصعد فى الاقتصاد العالمى، أهمها الصين ودول جنوب شرق آسيا، ثم انضمت إليها الهند، كما أخذت روسيا تستعيد عافيتها. وقد قوّت هذه التطورات من قلب إيران وشجعتها على مزيد من تحدى الإدارة الأمريكية، كما حاولت الصين وروسيا تقوية علاقاتهما بإيران كجزء من لعبة توازن القوى فى العالم ولتحقيق أهداف اقتصادية مهمة لهما، تتعلق أساسا بالبترول فى حالة الصين. زاد أيضا من ضعف الولايات المتحدة، عجزها عن تحقيق بعض الأهداف المهمة من احتلالها للعراق يرجع على الأرجح إلى عجز الولايات المتحدة عن إجبار أو إقناع الدول الكبرى الأخرى «فى أوروبا الغربية وروسيا والصين واليابان» بقبول ترتيب جديد للشرق الأوسط تحصل فيه هى وإسرائيل على نصيب الأسد. كانت بريطانيا «بقيادة تونى بلير» هى الدولة الكبرى الوحيدة التى وافقت على السير فى ركاب السياسة الأمريكية، ولكن حتى بلير رأى من مصلحته أن يقفز من السفينة الغارقة فى الوقت المناسب.

******
لابد أن بعض الرجال من ذوى المراكز المؤثرة فى المؤسسة الأمريكية «أى مجموعة أصحاب المصالح الكبرى المالية والصناعية والعسكرية» وأصحاب القرارات الأساسية فى توجيه السياسة الأمريكية، خارجيا وداخليا، قد أدركوا عندما حان موعد الاستعداد للحملة الانتخابية الأخيرة أن تغييرا حاسما فى أسلوب السياسة الأمريكية قد أصبح مطلبا ضروريا وعاجلا. العالم يتغير بسرعة، ومركز أمريكا فيه آخذ فى التدهور، من الناحية الاقتصادية، ولكن تدهور المركز الاقتصادى لابد أن يؤدى، مهما كانت قوة أمريكا العسكرية الآن، إلى التدهور السياسى والعسكرى أيضا. لابد إذن من العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولكن إسرائيل والصهاينة يرون أيضا، فضلا عن التدهور المنظم فى مركز أمريكا الاقتصادى فى العالم، أن النجاح الذى حققته إسرائيل فى الخمسين سنة التالية لإنشائها فى 1948، والتدهور المستمر فى قوة العرب، والضربات المتتالية التى تلقتها فكرة القومية العربية وحركة التوحد العربى، كل هذا يفرض على إسرائيل اتخاذ خطوات أخرى حاسمة: إما لوضع حد للمشكلة الفلسطينية بأسرها، أو على الأقل لإحراز مكاسب جديدة وسريعة نحو تحقيق الحلم النهائى: دولة إسرائيلية خالصة، تسيطر سيطرة تامة على المنطقة العربية المحيطة بها «بما فى ذلك المياه والبترول والغاز الطبيعى والأسواق».

فإذا كانت أمريكا التى ضمنت لإسرائيل الوجود ابتداء، ثم حمتها ودعمتها طوال أكثر من نصف قرن، تمر الآن بمرحلة انحسار واضح فى القوة والنفوذ، فما أجدر بإسرائيل من أن تحاول استغلال الحماية التى تقدمها أمريكا لها إلى أقصى درجة ممكنة قبل أن يحل اليوم الموعود، الذى يبدو أنه ليس هناك مفر منه، حين يتحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب تحتل فيه الولايات المتحدة مكانة لا تزيد عما تحتله بقية الأقطاب، ولا تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تفرض إرادتها على الباقين، لصالح إسرائيل، كما دأبت على ذلك منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

******
نظر رجال المؤسسة الأمريكية «وفيهم أنصار إسرائيل والصهيونية»، فلاحظوا وجود رجل مدهش يريد أن يشتغل بالسياسة، وتتوافر له كل صفات الزعامة التى لم تتوافر لرئيس أمريكى سابق منذ جون كيندى: الجاذبية الشخصية، الثقة العالية بالنفس، الذكاء والثقافة الواسعة، وقدرة نادرة على الارتجال والخطابة المؤثرة. ها هو إذن رجل ملائم تماما للمرحلة الجديدة فى حياة الولايات المتحدة، وله فضلا عن ذلك زوجة ذات وجه بشوش وطفلتان لطيفتان يمكن أن تحولهم وسائل الإعلام بسهولة إلى مادة خصبة للترويج للرئيس الجديد وزيادة شعبيته. إنه من الممكن لهذا الرجل أن يخدم بشدة هدف تحسين صورة أمريكا فى العالم بعد أن تدهورت إلى درجة أضرت حتى بمبيعات الشركات الأمريكية الكبرى، مثل كوكاكولا وماكدونالدز، إذ إن من بين ما كان يخدم تصريف مثل هذه السلع اعتبارها رمزا لدولة جديرة بالاحترام والتقدير.

ولكن هذا كله ليس أهم ما فى باراك أوباما. فهو بالإضافة إلى ما سبق، إذ أصبح رئيسا، سيكون رئيسا «جديدا تماما» ويمكن أن تستخدم هذه الصفات الجديدة فيه لخدمات المصالح المطلوب تحقيقها فى المرحلة الجديدة. وأقصد بهذه «الصفات الجديدة» شيئين على وجه التحديد: اللون والتاريخ.

فالرجل أسمر، وهذا شىء مفيد جدا كرمز لديمقراطية الولايات المتحدة وتسامحها وعدم تعصبها واحترامها لحقوق الإنسان، ولابد أن يمس هذا عصبا حساسا لدى الملونين فى كل أنحاء العالم، بل ولدى كل المستضعفين فى الأرض، ناهيك عن الأفريقيين على وجه الخصوص الذين جاء من بينهم والد باراك أوباما.

أما التاريخ، ففضلا عن الأصل الأفريقى لأبيه، فإنه يشمل موضوع الدين. فالأب ليس فقط أفريقيا بل أيضا مسلم. صحيح أن باراك أوباما مسيحى الآن، ولكن الأصل الإسلامى واحتواء اسمه الكامل على اسم لا شك فى انتسابه للإسلام «حسين» يمكن استخدامه استخداما مفيدا لكسب تعاطف المسلمين فى كل مكان نحو الولايات المتحدة. والمسلمون الآن يحتلون أهمية أكبر من أى وقت مضى. فعددهم فى العالم نحو بليون ونصف البليون، أى ما يقرب من ربع سكان العالم، ويزيدون بمعدل أكبر بكثير من معدل الزيادة فى أصحاب الديانات الأخرى. وغالبيتهم العظمى تتركز فى منطقة تتحول بسرعة إلى أن أصبحت أكبر مصدر لقلق الولايات المتحدة، وهى جنوب شرق آسيا. فهناك تنمو مراكز قوية منافسة بشدة للاقتصاد الأمريكى، وفى المستقبل القريب، للقوة العسكرية الأمريكية أيضا. وحيث تنتقل مراكز القوة الاقتصادية والعسكرية تنتقل أيضا مطامح الدولة الإسرائيلية والصهيونية. فهكذا فعل الصهاينة لزيادة قوة تأثيرهم فى السياسة البريطانية عندما كانت بريطانيا تحكم العالم، وهكذا حولوا ولاءهم للولايات المتحدة عندما أصبحت الولايات المتحدة أقوى دولة فى العالم، فوجب الآن الاهتمام بمراكز القوة الجديدة الصاعدة فى جنوب شرق آسيا.

ولكن التركيز على الدين مفيد بوجه خاص، فى هذه المرحلة، لإسرائيل والصهيونية، إذا كان الهدف (كما تدل شواهد عديدة)» يتضمن تحويل إسرائيل إلى دولة يهودية صرف، بإخراج المسلمين منها وإلحاقهم بدول مسلمة. من الملائم إذن أن يصبح أساس التقسيم فى الشرق الأوسط دينيا لا قوميا. وأن تصور مشكلة القدس، طبقا للإخراج الجديد، ليس على أنها مشكلة حلول قومية محل أخرى، بل مشكلة ممارسة أصحاب كل دين من الأديان الثلاثة لدينهم بحرية، ولا يهم بعد ذلك ما إذا كانت القدس ستظل خاضعة للدولة الإسرائيلية، فالمهم هو التعبد وليس السيطرة السياسية، أو الحصول على إيرادات السياحة.

ليس من الصعب على خطيب مفوّه، وله هذا القدر من الجاذبية الشخصية أن يستخدم «صفاته» الإسلامية الاستخدام المفيد عند اللزوم «ونسيانها أيضا عند اللزوم». وقد جاء خطابه فى جامعة القاهرة مذهلا فى محاولته الاستفادة من هذا الجانب من تاريخه، ولكن كان من المذهل أيضا موقف الحاضرين، الذين تركوا لعواطفهم العنان مستسلمين لهذا الاستغلال الواضح للموقف لتحقيق مصالح، ذات ضرر بالغ بالمسلمين.

******
ما النتيجة المقصودة من هذا كله؟ النتيجة هى إعلان الموقف الأمريكى فى عهد الرئيس الجديد متضمنا تجديد الالتزام الأمريكى بدعم الأهداف الإسرائيلية، فيقطع دابر أى تكهنات قد تظهر لدى العرب أو الفلسطينيين حول إمكانية تحول الموقف الأمريكى لصالحهم. فبعكس ما فهم البعض من الممعنين فى التفاؤل، لا ينطوى الخطاب على أى «تحسن» فى الموقف الأمريكى من وجهة نظر العرب والفلسطينيين. فالخطاب يقول إنه لابد أن ينبذ الفلسطينيون العنف، وعلى العرب الاعتراف بقبول التعايش والتعامل مع إسرائيل دون أن تطالب إسرائيل بشىء غير عدم بناء مستوطنات جديدة، إذ يبدو أن ما بنته حتى الآن كاف تماما.

ولا ذكر بالطبع لحق الفلسطينيين المشردين فى العودة إلى بلادهم، فمشكلة الفلسطينيين ليست فى أنهم طردوا من بلادهم، بل فى أنهم ليس لديهم دولة خاصة بهم. فليعطوا إذن دولة، ولا يهم بعد ذلك طبيعة هذه الدولة أو حدودها أو صفاتها أو سلطاتها بل لا يهم ما إذا كان يمكن العبور من جزء منها إلى جزء آخر، ولا ذكر للحائط الذى بنته إسرائيل للفصل بين جزء وآخر من فلسطين...الخ

ليس لكل هذا ذكر فى هذا الخطاب «التاريخى». أما تظاهر وسائل الإعلام والسياسيين فى إسرائيل بالغضب من الخطاب ووصفهم له بأنه تنازل كبير لصالح الفلسطينيين، فليس إلا حيلة معروفة ومألوفة من جانب الإسرائيليين، الذين ينكرون أى مكسب يحققونه، ويتظاهرون بالبكاء عندما يكونون فى أشد الفرح، طمعا دائما فى المزيد.

Friday, June 12, 2009

القدرة الإفسادية للدولة

بقلم: معتز بالله عبد الفتاح

12 يونيو 2009 07:08:00 م بتوقيت القاهرة

رابط المقال الأصلي
على سبيل التذكرة، فإن عدة مقالات تم تخصيصها فى هذه المساحة لمناقشة تراجع الكثير من المجتمعات المسلمة فى مسارات التحضر الست: مسار التنظير والتفكير والابتكار، ومسار الحكم والسياسة وإدارة الدولة.

ومسار الأخلاق والمبادئ والقيم، ومسار العلم والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، ومسار الإنتاج والثروة والتراكم الرأسمالى، ومسار الصراع والسلاح وإدارة الحروب.

وقد يكون من المفيد مناقشة قضية الأخلاق والمبادئ والقيم والتى هى فى الأصل مفاهيم دوارة ينفذ بعضها إلى بعض. فالأصل فى الأمور أن الأخلاق هى مجموعة من المبادئ والقيم التى يلتزم بها صاحبها بغض النظر عن العائد المادى أو المعنوى المرتبط بها. بل إن قمة التزام الإنسان بالأخلاق يتجلى فى أن يلتزم المبدأ حتى وإن تعارض مع المصلحة.

ولكن من وظيفة النظام السياسى والإدارى فى أى دولة ألا تجعل الإنسان يختار بين المصلحة والمبدأ وإنما تجعلهما معا اختيارا واحدا فيصبح الخيار الأخلاقى هو الخيار العقلانى وتجعل من الفساد اختيارا غير عقلانى، ولنأخذ مثالا على ذلك. فلو خالفت إشارة المرور فى الولايات المتحدة فسيستوقفنى ضابط الشرطة ليعطينى مخالفة عادة فى حدود المائة دولار. فلو قررت أو قرر الضابط أن يتصرف على نحو غير أخلاقى، فسيجد كل منا أنه يتصرف على نحو غير منطقى ولا يخدم مصلحته.

فمثلا لو قررت أن أدفع له رشوة فلا بد أن تكون أقل من المائة دولار قيمة المخالفة. ولكن هل سيقبل هو؟ الإجابة: لا، لأنه ليس من العقلانية له أن يختار الفساد لأن مبلغ المائة دولار أو ما دونها أقل كثيرا مما يغريه لأنه يحصل سنويا على راتب فى حدود 60 ألف دولار وامتيازات صحية وتأمينية أخرى سيفقدها جميعا إن ثبت أنه حصل على هذه الرشوة.

إذن فالنظام مصمم على نحو يجعل من الغباء أن تكون فاسدا. وسيصبح الفساد خيارا عقلانيا، كما هو الحال فى مصر مثلا، حين يكون راتب الموظف العام ضعيفا لدرجة تجعله يبحث عن المبررات كى يتصرف على نحو غير أخلاقى. فلو كان راتب الضابط الأمريكى 20 ألف دولار فى السنة والمخالفة مائة دولار.

هنا سيكون الفساد بديلا مبررا عقلانيا ويستحق المغامرة فى ضوء ضعف راتب الضابط. وكذا لو كان راتبه فى حدود الـ60 ألف دولار سنويا لكن قيمة المخالفة 1000 دولار، فساعتها قد يقبل رشوة مقدارها 500 دولار مثلا لأن قيمتها تستحق المغامرة حتى مع راتبه الكبير نسبيا.

وكذا الأمر مع الفساد المالى والسياسى والذى يودى بصاحبه إلى السجن أو إلى الإقالة لاسيما مع تداول المناصب الإدارية والسياسية والتى يكون معها المسئول الجديد غير راغب أو مستعد لأن يتحمل أخطاء السابقين فيكشف فسادهم إن وجد كى يبرئ ساحة نفسه.

كل ما سبق يؤكد أن من وظيفة النظام السياسى أن يدعم الأخلاق وأن يجعلها اختيارا عقلانيا بأن يوفر لمواطنيه فرصا حقيقية تجعل المرء يعمل لله وللوطن وللحياة الكريمة دون أن يجد الحاجة للاختيار بينهم. وهذا ما فشل فيه كثير من مجتمعاتنا.

وللموضوع أساسه الفلسفى حيث هناك مصادر أربعة رئيسية للإلزام الخلقى، لا بد أن تتكامل لتنتج مجتمعا أخلاقيا، وهو ــ للأسف ــ ما فشلت فيه الكثير من مجتمعاتنا ذات الأغلبية المسلمة، مع نجاحات مهمة فى حالات استثنائية.

أما مصادر الإلزام الخلقى هذه فهى على النحو التالى: أولا العقل، فعقل الإنسان يجعله يفكر فى أنه من مصلحته المباشرة أن يلتزم بالمبادئ التى لو خالفها، فسيخالفها الآخرون حتى لا يقع فريسة لبطش من هو أقوى منه. وبالتالى أنا لا أركن سيارتى أمام مدخل البيت الذى بجوارى لأننى لو فعلت ذلك فقد أعطيت فرصة لغيرى أن يركن سيارته أمام مدخل بيتى. وهكذا لو رفعت صوت الموسيقى من بيتى، فهذه رخصة للآخرين بأن يفعلوا المثل، ولما ارتاح مريض قط. ورائد هذه المدرسة بامتياز فى الفكر الغربى كانط وقد سبقه فى الفكر العربى ابن رشد وابن سينا.


وهناك مدرسة ثانية ترى أن المصدر الرئيسى للإلزام الخلقى هو المجتمع. فحينما يتراضى مجتمع ما على مجموعة من القيم والمبادئ فإنها تصبح أخلاقه بمثابة الهواء الذى يتنفسه، فلماذا لا أذهب إلى الجامعة بلباس النوم الرجالى على الرغم من أنه يستر كامل العورة؟ لأن المجتمع تراضى على أن ملابس النوم للمنزل وليست للعمل. وهكذا، فحينما يسرى فى مجتمع ما ثقافة ختان الإناث مثلا فإن المجتمع يجعل من هذه العادة خلقا من يحيد عنه فقد أخطأ.

ويرى أنصار هذه المدرسة أن قوة المجتمع أقوى من قوة العقل كمصدر للإلزام الخلقى إلا إذا كانت هناك قوة تملك أن تحول العقل وما يمليه إلى قوانين مكتوبة ونافذة فى المجتمع. وعليه فإن قال المجتمع بعادة ختان الإناث فإن العقل، مترجما فى قوانين الدولة وحسن إدارتها لأدواتها، يقف للمجتمع رادعا ومقوما. ومن هنا جاءت مقولة: «الحاكم المستنير».

فاستنارته لا تفهم إلا فى ضوء أنه لا يعتبر نفسه أسير المجتمع الذى يحكمه، وإنما هو مصلح له مستخدما سلاح العقل وأدوات الإكراه المشروع التى تملكها الدولة. وهو ما جعل فريدريك الثانى فى روسيا، وجورج واشنطن فى الولايات المتحدة، وأحمد بن طولون ومحمد على فى مصر أقوى من المجتمعات التى عاشوا فيه وكانوا إضافة لها حين غيروها.

بيد أن يحيى حقى أشار فى روايته العبقرية «قنديل أم هاشم» لقصة الدكتور إسماعيل الذى ذهب إلى الغرب ليتعلم طب العيون وعاد إلى بيئته التى اعتادت على علاج أمراض العيون بزيت القنديل، قنديل أم هاشم، تبركا وأملا فى الشفاء. وهنا كان الصراع بين مصدرين من مصادر الإلزام الخلقى: العقل ممثلا فى العلم، والمجتمع متمثلا فى الخرافة. وقد اصطدم العلم بالخرافة، وكاد الدكتور إسماعيل يفقد حياته ظنا من العامة أنه خرج عن الدين لرفضه استخدام زيت القنديل.

لكن العالم الحق حكيم يعرف أن من واجبات العلم أن يستوعب الخرافة ليقضى عليها. وقد فعلها بطل «قنديل أم هاشم» بأن وضع العلاج الطبى السليم فى زجاجات تشبه الزجاجات التى كان يضع فيها المخرفون زيت القنديل وأوهم الناس، أو هكذا فعل، أنه يعالجهم بزيت القنديل.

وحينما اطمأن الناس له، وللعلم الذى أتى به وللعقل الذى يمثله، كان عليه أن يصارحهم بأن علاجه الموضوع فى زجاجة الزيت ما هو إلا نتاج العلم والطب والمعرفة، وهكذا فإن للعلم بيئته التى تحترم العقل ابتداء، فمحاولة استخدام العلم فى علاج مشكلات مجتمع لا يحترم العلم، هى محاولة غير علمية بل غير عقلانية فى حد ذاتها.

إذن فالعقل كمصدر للإلزام الخلقى ينبغى أن يقود المجتمع، لكنه لن يفعل إلا إذا حكم وساد وسيطر على أجهزة الدولة والمجتمع معا حتى يواجه قرونا من الخرافة والغيبيات اللاإيمانية.

وقد لاحظت خللا بنفسى مع طلابى فى الجامعة حين أرى فيهم اتكالية ابتدعوها ونسبوها ظلما للإسلام. وقد كانت قضية «القوة التدميرية للحسد» مناطا للنقاش مع بعضهم. فتساءلت: هل من الممكن أن أنظر إلى مبنى شاهق نظرة حسد فيتحول إلى كومة من التراب؟ وهل يمكن أن نرسل إلى إسرائيل 100 حاسدة فيدمرنها بنظرات العين وكلمات اللسان؟

ولو كان هذا الاختراع مقبولا، فلماذا لم يكتشفه غيرنا من أبناء الحضارات الأخرى؟ الحسد موجود ونؤمن به كمرض من أمراض القلوب، كما نص القرآن الكريم، أما إذا لم يتبعه صاحبه بكيد وفعل يحول الشعور الذاتى إلى طاقة تدمر الآخرين فلا قدرة له على التدمير أو النيل منهم، وإنما يظل شعورا يأكل صاحبه، حتى وإن ساد فى ثقافة المجتمع ما يشير إلى غير ذلك. فيضع صاحب السيارة الجديدة خرزة زرقاء كى «تأخذ العين».

هذا يترك لمقال الأسبوع المقبل فرصة مناقشة المصدرين الآخرين مع تطبيقات مباشرة على أوضاعنا المصرية.

Friday, June 5, 2009

كيف نعوض ما فاتنا فى مسار الحكم وإدارة شئون الدولة؟

بقلم: معتز بالله عبد الفتاح

5 يونيو 2009 07:56:34 م بتوقيت القاهرة

رابط المقال اﻷصلي

واحدة من وظائف العلم أن يحول ما هو استثنائى إلى قوانين، وما هو خارق للعادة إلى قواعد حاكمة. فلا شك أن أول طيار كان شخصا معجزا بمعايير عصره، أما الآن فقواعد الطياران مسألة يتم تعلمها فى معاهد متخصصة على نحو جعل قيادة الطائرة مهنة كأى مهنة أخرى فى قواعدها ومهاراتها. وهكذا الأمر فى بناء المؤسسات التى تنهض بالدول وتعالج مشكلات المجتمع حيث توجد مقررات دراسية متخصصة فى الهندسة المؤسسية وقواعد إدارة شئون الحكم بناء على التجارب الناجحة والفاشلة فى قطاعات العمل العام المختلفة. فما أنجزه مهاتير محمد فى ماليزيا أصبح جزءا من معرفة إنسانية يمكن تكرارها لمن يفهم ويستوعب خبرته فى هذا المقام.

هذه كانت المقدمة، أما متن الموضوع، فهو مناقشة ما انتهى إليه مقال الأسبوع الماضى من البحث فى كيفية نهضة الدول وانتقالها من حالة التخلف إلى حالة التقدم فى مسار الحكم وإدارة شئون الدولة. وحتى لا يبدو الأمر اختراعا لا أصل له، فمن حق القارئ أن يعرف مثلا أن كاتب هذه السطور يقوم بتدريس مادة على مستوى الدكتوراه لمناقشة «الاقتصاد السياسى للتنمية» وهى مادة ثرية بتجارب الدول المختلفة التى حققت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أسف فإنه باستثناء ماليزيا وتركيا فإن ما يمكن أن نتعلمه من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة قليل.

ولكن من المفارقات أن دولة مثل السودان لها من الإمكانات الطبيعية ما يفوق ما لدى ماليزيا عشرات المرات، كما أن البنية العرقية والانقسامات الأولية لدى الدولتين متقاربتان بشدة. لكن شتان ما بين الدور الذى لعبته القيادة السياسية فى كل من الدولتين. وهو ما جعلت كلاسيكيات العلوم السياسية تصنف القيادة كواحدة من أهم عناصر قوة أو ضعف الدولة. وقصارى القول، فإن الدول التى نهضت تجمعها عدة خصائص تبدأ من قيادة ذات رؤية عصرية قادرة على استيعاب التحديات وبناء مؤسسات قادرة على مواجهتها. والحديث عن بناء المؤسسات هو بالضبط كالحديث عن تحويل ما هو استثنائى إلى قانون وما هو خارق للعدالة إلى قواعد حاكمة. فلو نجحت تجربة ما، فلا بد من مأسستها، أى تحويلها إلى قواعد مؤسسية قابلة للتكرار.

بل إن الإدارة الناجحة للمؤسسات تلعب دورا مهما فى تغيير الثقافة السائدة فى المجتمع، فتصورات المواطنين عن مجتمعهم ودورهم فيه يزيد وينقص بقدر ثقة المواطنين فى قدرة مؤسسات الدولة على أن تنهض بمسئولياتها وأن تضمن لهم صوتا مسموعا وحقوقا مشروعة. وحتى لا يكون الكلام نظريا أكثر من ذلك فإن مجتمعاتنا بحاجة لبناء واحترام القواعد الحاكمة لمؤسسات ست تتسم جميعها بالاستقلال والمهنية. وهذه المؤسسات الست هى:

1 ــ قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية سواء بتدخلها المباشر عن طريق التعيين أو بمحاولة الإغواء بالمنح والمنع؛ لأن القضاء المشكوك فى نزاهته يعنى انهيار القانون وشيوع الفساد. وبدلا من تعديل كل هذه المواد من الدستور المصرى، كان من الأهم تعديل المادة 93 من الدستور الخاصة بحق مجلس الشعب فى الفصل فى صحة عضوية أعضائه بعد الاطلاع على تقارير محكمة النقض، بما يجعل من المجلس خصما وحكما فى صحة العضوية على نحو يتيح للأغلبية الحق فى التخلص من القوى النابضة فى المعارضة، ومن ثم تدجين الكثير من العناصر التى لها حصانة برلمانية بحكم المنصب وفقا للدستور. فلو كان حكم القضاء وحده يكفى فى التخلص من المزورين، لكان لدينا برلمان يعبر حقيقة عن إرادة الناخبين. ولا يكفى، والأمر كذلك، أن يعلن رئيس الدولة احترامه لاستقلال القضاء، لأنه كم من أمور يعلنها الرئيس وتضرب بها الحكومة عرض الحائط فيما يبدو وكأنه توزيع أدوار بين الرئيس الذى يقول ويعد وجهازه التنفيذى الذى يعرف أن ليس كل ما يعلنه الرئيس يعنى التنفيذ. وأفضل النماذج بين دول الجنوب فى مهنية واستقلال القضاء تأتى من الإصلاحات القضائية التى شهدتها شيلى فى آخر عشرين عاما.

2 ــ بنك مركزى مستقل يعمل على الاستقرار النقدى والاقتصادى ويخضع فى ذات الوقت لرقابة صارمة من البرلمان؛ لأنه المسيطر على قرارات ترتبط بتدفق الأموال المتاحة للاستثمار والاستهلاك من خلال أداتى سعر الفائدة وسعر إعادة الخصم، فضلا عن أنه القابض على الاحتياطى النقدى وأموال الحكومة وإصدار البنكنوت، فضلا عن أن فساد القائمين عليه يجعله بابا دوارا لأموال الفساد بتحويلها للخارج. ويقدم البنك المركزى لكوريا الجنوبية واحدا من أفضل النماذج فى هذا الصدد.

3 ــ وجود وسائل إعلام وصحافة مستقلة ومهنية؛ لأنها الضامن لتدفق المعلومات الدقيقة والأفكار الجديدة فى المجتمع. إن تاريخ المؤسسات الإعلامية والصحفية المملوكة للدولة فى كل دول العالم المتخلفة يؤكد أنها الأقل قدرة على فضح الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان والأكثر استعدادا للمبالغة فى الإنجاز والاستبسال فى الدفاع عن تحالف السلطة والثروة والإكراه المفضى إلى الفساد. وحين ندرس تجارب دول الجنوب الأخرى فإن جنوب أفريقيا تقدم المثال الأفضل فى استقلال ومهنية مؤسسات الإعلام.

4 ــ إنشاء لجنة انتخابية مستقلة ومحصنة ونافذة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها وحتى نهايتها. ولكل صفة من الصفات الثلاث معنى يستحق التأمل، فهى مستقلة بحكم القانون عن أى حزب أو جهة أعلى منها، وهى محصنة من التدخلات السياسية لمن هم فى موقع السلطة، وهى نافذة أى قادرة على اتخاذ قرارات تصل إلى حد إلغاء الانتخابات إن كان فيها شبهة تزوير أو بيع أو شراء. ويكون عادة القضاة المنتخبون هم الأفضل للقيام بهذه المهام. وهو تحدٍ يتطلب رغبة أكيدة فى بناء دولة يكون فيها القانون فوق أشخاص الدولة بعيدا عن الشللية والمحسوبية ومحاباة من بيدهم المال والسلطان. ولنا فى الهند الكثير من العبر والدروس فى هذا المقام.

5 ــ جهاز خدمة إدارى مدنى يقوم بدوره فى تنفيذ السياسة العامة للدولة على أساس من الكفاية والكفاءة. والمقصود بالكفاية أن يكون موظفو الدولة فى وضع اقتصادى يسمح لهم باحترام القوانين والسهر على تنفيذها دون الحاجة للرشاوى والإكراميات مع تغليظ العقوبة لأقصى درجة ممكنة بحيث يعود للموظف العام مكانته ودوره الأصيل فى خدمة المجتمع وتنفيذ السياسة العامة للدولة. أما الكفاءة فهى مسألة تدريب وتأهيل مع استعداد لتبنى نموذج ساعات العمل الممتدة ليلا وفى الإجازات بما يساعد على الاستفادة من الطاقة العاطلة من الموظفين. وهو ما لايبدو أن الدولة المصرية فى تاريخنا هذا قد أنجزته وبما يضع عبئا ضخما على نخبة المستقبل لمواجهته. وهنا يبرز مثال تايوان تحديدا كأفضل الأمثلة لجهاز الخدمة المدنى الذى يتمتع بالكفاية والكفاءة.

6 ــ الاستقلال المهنى لأجهزة القمع المشروع «القوات المسلحة والشرطة» فلا ينبغى أن يكون فى الدولة إلا جيش واحد وجهاز شرطة واحد ولا مجال لأى قوى مسلحة أخرى داخل حدود الدولة. ويحسب للرئيس مبارك أنه حقق درجة عالية من مهنية القوات المسلحة المصرية بحيث تبتعد عن أى دور سياسى مباشر كمؤسسة، بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على الإطلاق على الشرطة المصرية التى تمارس دورا سياسيا متصاعدا فى تأمين استمرار الحزب الوطنى فى الحكم سواء بمنع الناخبين من التصويت فى الانتخابات أو المرشحين المعارضين من استكمال عمليات الترشيح أو اعتقال المعارضين الذين يخرجون عن نطاق «الكلام» إلى نطاق الفعل، بما جعل البعض يتحدث عن عودة «الدولة البوليسية» التى كنا نظن أننا ودعناها. وتقدم جمهورية التشيك نموذجا ناجحا فى تحقيق هذا الاستقلال المهنى لأجهزة القمع داخل الدولة. إن تراجع عدد كبير من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، ومن ضمنها مصر، فى مسار السياسة والحكم وإدارة شئون الدولة يقتضى الاجتهاد بشدة من أجل تحقيق مهنية واستقلال هذه المؤسسات عن سيطرة الأحزاب والأسر الحاكمة، وإلا سنظل نعيش فى مجتمعات اقطاعية المضمون تأخذ من الحداثة قشورها، ويحلم أبناؤها بما لا يستطيعون.


Saturday, May 30, 2009

إلى متى تستمر حرب الإسلام على الإسلام؟


الرابط الأصلي
راشد الغنوشي


قد يبدو إيجابيا لصالح التحول الديمقراطي أن يخسر الانتخابات فريق إسلامي هنا أو هناك، حتى تنتزع من مخالب أنظمة القمع فزاعة لا تني تحركها كلما تعرضت لضغط من الداخل أو الخارج من أجل الانفتاح, فزاعة الاكتساح الإسلامي للساحة، لو أن النظام القائم حارس العلمانية والحداثة والمصالح الغربية فتح أمامهم الباب!!

خسارة فريق إسلامي هنا أو هناك أيضا تعيدنا للسياسة، باعتبار أن هاهنا كانت إعاقة الأمة المتوارثة والمستمرة، إذ عجزت عن إدارة اختلافاتها السياسية بالشورى بديلا عن القوة.

إن رفع الإسلاميين شعار الإسلام هو الحل لا يعني أنهم قد تجاوزوا والأمة هذه الإعاقة ولا أنهم بحال يملكون مفاتيح الجنة والنار، فهم مثل غيرهم يخطئون ويصيبون يربحون ويخسرون ويختلفون ونادرا ما يتحدون، وكثيرا ما يبلغون اختلافا حد تكفير بعضهم بعضا بل حد سفك دماء بعضهم بعضا، وهو جزء من المشهد العام للأمة آخذ في الاتساع، كيف يفسر وكيف يعالج؟

"
حرص الإسلام على أن يرسخ في معتنقيه أنهم أخوة، والأخوة أوثق الروابط الأسرية، بما يعنيه ذلك من شعور بالتضامن والتآزر والتوحد والمحبة والمساواة والاشتراك في الانتماء إلى جماعة واحدة
"
1- حرص الإسلام على أن يرسخ في معتنقيه أنهم أخوة، والأخوة أوثق الروابط الأسرية، بما يعنيه ذلك من شعور بالتضامن والتآزر والتوحد والمحبة والمساواة والاشتراك في الانتماء إلى جماعة واحدة.

ولقد كان توفيق صاحب الدعوة عليه السلام باهرا في غرس هذه الثقافة والشعور والروابط في أمة العرب معدن الإسلام الأول، القوم الذين شرّح العلامة ابن خلدون مكونات شخصيتهم الجمعية ووقف على أخطر ثغراتها: الانفراد الذي وصفه بخلق التوحش "فهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، فلا ينقادون إلا لنبي أو لوليّ"، ويعني بذلك ضعف إرثهم السياسي والتمدّني فهم أهل بادية وبخاصة عرب الحجاز يومئذ، فلم يكن يشدهم من رابط غير رباط واهن هو القبيلة، وكثيرا ما ثقل على أحرارهم فتصعلكوا.

ولذلك كان مفهوما أن يبدئ صاحب الدعوة ويعيد وهو يروض ويمدّن توحشهم توكيدا متكررا للجماعة والطاعة وربطهما بالإيمان وربط التمرد عليهما بالجاهلية. ولقد بلغ أمر حرصه عليه السلام على إبراز الجانب الحضاري التمديني لدعوته أنها لم تكن مجرد دعوة دينية بل هي في الآن دعوة سياسية حضارية شاملة أن سمىّ حاضرة ملكه "المدينة" ربطا بالتمدن، فحظر على صحبه القادمين إليها من البادية العودة إلى التبدي فقال "من بدا جفا" مسند أحمد، بل اعتبر التبدي بعد تحضر منكرا.

2- غير أن الإرث العربي من التشقق القبلي ومن الضعف والهزال في التجربة السياسية هو ما سرّع بانقراض الخلافة الراشدة حيث كان الحكم للسياسة لا للقوة، وذلك بأثر تضاؤل شحنة الإيمان التي كانت سبيل العرب إلى السياسة، تضاءلت بتضاؤل الجيل القرآني الفريد (حسب تعبير سيد قطب) بالقياس إلى الأعداد الضخمة من مسلمة الفتح وما بعده من العرب وغيرهم، الأمر الذي أحدث اختلالا هائلا في التوازن داخل المجتمع الإسلامي المتورم بكثرة الداخلين الجدد، منجذبين إلى عدله، فكان من نتيجة ذلك أن عاد العنصر القبلي الذي توارى وكمن خلال مد الإسلام الأول، عاد ليفرض منطقه القبلي ضمن معادلة هو أقواها إلى جانب التراث الإداري والسياسي والثقافي للإمبراطوريتين الرومية والساسانية الهالكتين، دون أن يفقد الإسلام أسهمه جملة في هذه الشراكة.

وكلما تقدم الزمن قوي الأثر الإمبراطوري عبر الإدارة التي ورثها المسلمون بثقافتها السياسية بل وبعناصرها التي تدعّم أثرها في القرن الثاني، فما جاء القرن الثالث حتى مالت الكفة بالكامل لصالح غير العرب الذين ظلوا مجرد رموز للخلافة مسلوبين من السلطة، وحتى الفرع العربي الذي قاد أول انشقاق في الخلافة مؤسسا لحكم عربي في الأندلس لم يمض بعيدا حتى دب إليه داء العرب، داء التشقق والمسارعة إلى السيف بديلا عن السياسة في فض اختلافاتهم بسبب ضعف إرثهم من السياسة كما لاحظ ذلك بحق الأستاذ زيد الوزير، فذهب ملكهم ضحية تلك الإعاقة، حتى أنهم لم يكادوا يعرفون طعما للسياسة بعد الخلافة الراشدة، إذ تمحّض الملك للقوة.

3- بموازاة ذلك وبسببه تمكنت شعوب أخرى من إزاحتهم من الملك منذ العهد العباسي الثاني فالمملوكي فالعثماني والصفوي، حتى إذا عادوا إلى الملك منذ حوالي قرن لم تسعفهم تجربتهم الفقيرة من السياسة متعاونة مع الموازين الدولية المائلة لغير صالحهم، في إعادة بناء عالم السياسة، فكان إرث القبيلة والدولة السلطانية هو الأقرب إليهم من تجشم أعباء السياسة بما هي البديل عن القوة تعبيرا عن ملكة العقل في الإقناع والتفاوض والبحث عن تسويات من طريق اعتماد آليات مدنية.

4- وربما هذا ما يفسر ولو جزئيا النجاح النسبي للأمم المنافسة لأمة العرب في الإدارة السياسية مثل الفرس والترك، وذلك بالقياس إلى الفشل العربي الذريع في السياسة على كل المستويات سواء أكان في مستوى إقامة وحدتهم كما فعل غيرهم أم في مستوى إدارة أقطارهم بالسياسة لا بالقوة، أم في المستوى التنموي وحتى في مستوى الدفاع عن وجودهم في مواجهة الأخطار المحدقة بهم مثل بوادر عودة الاستعمار ناهيك بالسرطان الصهيوني خطرا مراهنا على دفعهم إلى مزيد من التفكك والتشظي سبيلا للمسك بخناقهم، فهاهم يستجدون التعايش معه، ويعرضون عليه الاعتراف الجماعي بما اغتصب، بدل مواجهته بل هم قد اتخذوا سياسة لهم، حراسته والمسك بتلابيب من يفكر في مقاومته.

"
قد يبلغ الإفلاس في السياسة أقصاه إذ يفضي الصراع على السلطة إلى انهيار الدولة جملة كما حدث في الصومال، أو تبلغ من البطش بشعبها والعتو إلى اليأس من إمكان التصدي لعنفها دون استعانة بقوى أجنبية، بما يجعل الخيارات المطروحة محدودة كثيرا
"
5- وقد يبلغ هذا الإفلاس في السياسة أقصاه إذ يفضي الصراع على السلطة إلى انهيار الدولة جملة كما حدث في الصومال، أو تبلغ من البطش بشعبها والعتو إلى اليأس من إمكان التصدي لعنفها دون استعانة بقوى أجنبية، بما يجعل الخيارات المطروحة أمام العرب من أجل توليد السياسة وإحلالها محل القوة خيارات محدودة كثيرا ما يكون أحلاها مرا، وذلك بعد أن سدت الدولة القائمة كل باب للسياسة باعتمادها المطلق في اكتساب وتثبيت شرعيتها على القوة، قوة الجيش أو البوليس والخارج من ورائها ظهير، حتى ما بقي للانتخابات –إذا وجدت- من وظيفة غير تصدير البلد إلى الغرب، بما يجعل الاشتراك فيها نوعا من التواطؤ والغش وتثبيت الباطل، مما لا يفضي إلى شيء غير البحث عن سهم في الغنيمة.

بعد أن استقر الحكم على القوة والمغنم، ما بدا معه أن الطريق إلى السياسة متجه إلى المزيد من الضيق، منفتح على بدائل تحمل في ذاتها جرثومة فسادها من مثل الاستظهار بقوى الخارج وهذه ليست منظمات خيرية ولا هي جيوشا للإيجار، بل هي دول عظمى دماؤها وأموالها أزكى من أن تهدر من أجل توريد السياسة (الديمقراطية) إلى المتعطشين لها العاجزين عن الحصول عليها, وهي بالتجربة لا تتحرك ولا تضحي إلا من أجل مصالحها.

وما حدث في العراق وفي أفغانستان من كوارث جرها التدخل الخارجي لا يغري عاقلا فتسول له نفسه أن هذا طريقا لاستيراد السياسة لتحل محل القوة نهجا في حكمنا.

يبقى طريق القوة سواء من طريق تشكيل عصابات مسلحة حدّثت نفسها بجولات سريعة تتخلص بها من بضعة أنفار من المستبدين! فما تمضي بعيدا حتى تجد نفسها وقد تورطت في معركة شاملة مفتوحة مع مؤسسة متشابكة متداخلة ممتدة يشترك فيها ويرتبط بها مئات الآلاف بل الملايين، لتكتشف أنه يجب عليها أن تقاتل كل من لا يقاتل معها، وهو نهج يفضي بها بالضرورة إلى التشقق وقتال بعضها بعضا، وهو ما حصل ويحصل في الصومال وفي الجزائر وفي العراق وأفغانستان وفي باكستان. فماذا يبقى غير سبيل الانقلاب وهو يبدو أنظف وأسرع سبيل إلى الخلاص من الدكتاتورية وإرساء وضع سياسي.

المتأمل في النتائج العملية التي انتهى إليها السالكون لهذا السبيل يتأكد من كارثيتها، فليس دائما السبيل الأسرع هو الموصل بل كثيرا ما كان هو السراب، فمنطق السهولة هو أضعف منطق، لا سيما أن منطق الانقلاب يحمل في ذاته تناقضا بدهيا في أنه سيفضي إلى السياسة، وهل يطلب الشيء من نقيضه؟ التجربة شاهدة على أن الانقلابات لم تفض -اللهم إلا في ظروف خاصة جدا يكون الشعب مهيئا فيها للانتفاض أو في حالة انتفاض- إلا للمزيد من استبعاد السياسة.

وتجربة الإسلاميين المصريين في انقلاب 1952 وكانوا أهم عنصر فاعل مشارك فيه واضحة فيما أفضت إليه من استبعاد مزيد للسياسة وللإسلاميين، وتكرر الأمر فيما يشبه إعادة التاريخ لنفسه لدى الجار السوداني حيث كرر الإسلاميون نفس التجربة مفجرين آمالا خلبا حول المشروع الإسلامي الحضاري، ولم يمض الأمر بعيدا بعد انقلابهم على الديمقراطية أن أفضى الملك إلى غايته في الانفراد حسب التعبير الخلدوني، فانقلب بعضهم على بعض وبلغ التكايد حد اتهام رأس المشروع ومنظّره بالتشجيع على التمرد وتشقيق البلد، ثأرا مما نقمه من تلاميذه من خيانة له.

وتجربة أهل الأيديولوجيات الأخرى مع الانقلابات لا تختلف عن تجربة الإسلاميين فالسنن لا تحابي أحدا، فلكم سجن بل سحق رفاق على يد رفاقهم، فجرثوم القوة إذا حل محل السياسة لا حدود لمنطقه المتوحش. فهل يبقى من طريق آخر للسياسة؟ هو بالضرورة سياسي، فالحق لا ينصر إلا بالحق.

"
مع أجواء الانسداد السائدة، والحضور الطاغي لصوت القوة صاحبة الكلمة العليا في كل مجال بديلا عن السياسي والإعلامي والمفكر وعن المجتمع كله، يبقى اتجاه التطور في العالم لصالح انتفاضات الشعوب
"
6- ومع أجواء الانسداد السائدة، والحضور الطاغي لصوت القوة صاحبة الكلمة العليا في كل مجال، بديلا عن السياسي والإعلامي والمفكر وعن المجتمع كله، وإفراغ السياسة وتمحّها نفاقا ودجلا ومثله، يبقى اتجاه التطور في العالم لصالح انتفاضات الشعوب، وذلك بأثر ثورة الاتصال واندياح المعلومات، فلم يعد لفرعون زمننا التبجح مع سلفه "ما أريكم إلا ما أرى" (سورة غافر) فأخذت جدران الرقابة والتحكم في إرادة الشعوب تتداعى، بعدما شهده نموذج التحكم عبر الإعلام والاقتصاد والبوليس من انهيارات خلال العشريتين المنصرمتين، فكان انهيار مشروع إمبراطورية الإلحاد والحزب الواحد، فعلا صوت دولة العولمة القارونية مستقبلا وحيدا للبشرية!

ولم يمض بعيدا حتى توالت أنباء وكوارث انهياراته في منطقة القلب، فكيف حال الأطراف؟ من سينجدها؟ وهو ما سيوفر للأمم المقهورة مثل أمة العرب والمسلمين فرصا غير قليلة للانتفاض وفرض إرادتها على حكامها وحماتهم، فلا يبقى أمام أذكيائهم غير التصالح معها، أما الأغبياء -والدكتاتوريات عادة غبية يطمس أبصارها الغرور وتسكرها القوة فتفقد الإحساس بما يعتمل تحت أقدامها ويتشكل من براكين- فتعصف بهم رياح التغيير.

قال تعالى "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا" (سورة الأعراف).

7- غير أن أمتنا كثيرا ما أضاعت عنها فرصا لاكتساب السياسة سواء برهانها على الحلول السريعة النقيضة للسياسة كالانقلاب والعمل العنيف أو من طريق إضفاء الشرعية على حكم العسكر والبوليس، طمعا في اكتساب السياسة من طريقه وهو من قبيل طلب الشيء من غير مأتاه بل من نقيضه، من مثل ما حصل في الجزائر أو في السودان، وأفضى إلى كوارث، شأن معظم تجارب المشاركة، لم تثبت واحدة أنها نقلت طبيعة حكم من شرعية القوة إلى شرعية السياسة فكانت بالنتيجة محض مشاركة في مغنم انجرت إليه ولا علاقة له بتحول ديمقراطي. الاستبداد مطلوب تغييره لا إضفاء الشرعية عليه بالمشاركة في فتاته.

8- ومع فشو الصحوة الإسلامية عودا بالمجتمع إلى أصل الإسلام ثقافة للمجتمع، وتراجع الأيديولوجيات التي قدمت نفسها بديلا، فأعاد بعض أصحابها تأويلها بما يتواءم مع هذا التطور، تعددت تبعا لطبيعة الإسلام المفتوحة الاجتهادات في فهم الإسلام وبالخصوص ما يتعلق منه بشؤون الدنيا كالاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وأساليب تغيير المنكر، والتمييز بينها وبين قواطع الدين العقدية والشعائرية والخلقية ومسائل الحرام والحلال التي أجمع حولها المسلمون.

وبحسب تعدد الاجتهادات تعددت التجمعات الإسلامية على غرار ما كان في تاريخ حضارتنا، وليس في ذلك ضير لولا استمرار الإعاقة المزدوجة والمتمثلة أولا في عجز الكثير عن التمييز بين ما هو ثوابت الدين وهي محدودة وبين مجالات المباح أي الحرية وهي الأوسع والأصل.

وأخطر من هذا العجز الإعاقة الموروثة والمتمثلة في الوقوف بمبدأ الشورى العظيم الذي يعني أن في الإسلام سياسة وأن الله خولها للناس في نطاق شرائعه (وأمرهم شورى بينهم) الوقوف به، دون تحويله إلى نظام كفيل بإدارة الاختلاف في المجتمع سياسيا أي سلميا وليس مجرد موعظة وبيعة شكلية غلافا للقوة. وهو ما قصّر عمر الخلافة الراشدة حيث أدير الحكم وتبودل بالسياسة لا بالقوة، وما لبث أن انقلب إلى ملك عضوض.

"
بحسب تعدد الاجتهادات تعددت التجمعات الإسلامية على غرار ما كان في تاريخ حضارتنا، وليس في ذلك ضير لولا استمرار الإعاقة المزدوجة والمتمثلة أولا في عجز الكثير عن التمييز بين ما هو ثوابت الدين وهي محدودة وبين مجالات المباح وهي الأوسع والأصل
"
وانتظرت البشرية الفكر الغربي الحديث ليطور مبدأ الشورى إلى آليات لإدارة الاختلاف حملت اسم الديمقراطية، وهي ليست دينا حتى تقابل بالإسلام وإنما هي آليات لإدارة الاختلاف سلميا. أعجب ما في الأمر أن الإسلاميين وهم من أكثر ضحايا الاستبداد مما يتوقع منهم أن يكونوا أسعد الناس بالديمقراطية والأكثر حرصا عليها، لا يزال بعضهم –متناقصا- يجادل فيها، أو في بعض مقتضياتها مثل التعددية بلا إقصاء ومثل اعتماد مبدأ المواطنة والمساواة أساسا للحقوق والواجبات والاحتكام فيما يراد سنه من سياسات وقوانين لمؤسسات منتخبة، لو تم تسليم كل الأطراف المتنازعة في الجزائر وفي تونس ومصر والسودان والصومال وأفغانستان لمثل هذه الآليات ما تعرضت هذه وأمثالها ولا تزال للكوارث.

إن السياسة لن تعود لتحل محل القوة دون ترسخ مثل هذه الثقافة وهذه الآليات ودون عمل سلمي شعبي جبهوي منظم يفرض الحرية والعود للسياسة.

والأعجب من ذلك ونتيجة لما سبق استسهال انتهاك حرمات عظّمها الله وتوعّد بأشد الوعيد منتهكها أعني حرمة دم الإنسان مسلما وغير مسلم.

ما أدري بم سيجيب مستحلو الدماء من جماعة الشيخ عويس وأمثاله في الصومال وعلى امتداد أرض الإسلام والعالم، ربهم، وهو يتلو عليهم الآية المزلزلة -وهي من آخر ما نزل من كتاب الله "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما" (سورة النساء).

وقال النبي عليه السلام "كل ذنب عسى الله يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة آخذا برأسه فيقول يا رب سل هذا لم قتلني" ابن كثير في التفسير. وفي حديث البخاري "لا يزال المرء في عافية من دينه حتى يقع في دم امرئ مسلم".

Friday, May 29, 2009

تراجع المسلمين فى مسار السياسة والحكم وإدارة المال

أعمده

بقلم:
معتز بالله عبد الفتاح

29 مايو 2009 06:50:35 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 2

تراجع المسلمين فى مسار السياسة والحكم وإدارة المال

هذا واحد من مسارات الحضارة الست التى لا يمكن تجاهلها بأى حال. فلو اشتهر أرسطو فى تاريخ الفكر السياسى بشىء فهو مقولته الشهيرة: إن علم السياسة هو علم السيادة وهو علم السعادة.

ويقصد بذلك أن أمور الحكم وإدارة شئون الدولة هو العلم السيد على جميع العلوم الأخرى وهو المفضى إلى سعادة البشر الجماعية إن كانت شئون الحكم فى أيد رشيدة.

فلو تخيلنا مجتمعا فيه مئات العباقرة والمبدعين لكن يحكمه هتلر أو موسيلينى، إذن ما الفائدة؟

إن علم السياسة هو علم التوفيق «وليس المفاضلة أوالاختيار بالضرورة» بين الضرورات المتعارضة، فالاستقرار ضرورة، ولكن الديمقراطية ضرورة أيضا والمهارة كل المهارة أن توفق بينهما دون التضحية بأى منهما.

وقد تراضى الفلاسفة ودارسو العلوم السياسية على عدة حقائق من بينها أن هناك مجتمعات كانت أكثر حظا من مجتمعات أخرى فى إدراك أهمية الديمقراطية كاختراع «أى ابتكار من عدم» أو اكتشاف «أى كفكرة إنسانية موجودة تاريخيا لكنها احتاجت للاجتهاد البشرى كى يتم التنظير لها وبناء المؤسسات اللازمة لترجمتها إلى واقع معاش».

وسواء كانت اختراعا أو اكتشافا فإن الحضارة الإسلامية احتاجت فترة طويلة للغاية كى تتفاعل مع هذا الاختراع/الابتكار فى حين أنها كانت أكثر استجابة للتفاعل مع اختراعات واكتشافات أخرى.

فلو تتبعنا تاريخ الإنجازات والاختراعات الإنسانية سواء بالملاحظة المباشرة أو باستقراء ما تكتبه دوائر المعارف فسنجد أن البشرية عرفت ما لا يقل عن 16 مليون اختراع واكتشاف بشرى على مدى خمسة آلاف سنة هى عمر الحضارة منذ أن عرف الإنسان الكتابة وفقا لموسوعة المعارف البريطانية.

لكننا لو ربطنا بين الاختراعات وقيمتها المضافة، أى قدرتها على أن تؤثر فى عدد كبير من البشر فإننا يمكن أن نحصر أعظمها وأبلغها تأثيرا فى سبعة اختراعات كبرى.

فهناك أولا الكهرباء بما سمحت به من إنجازين مهمين وهما: المزيد من سيطرة الإنسان على الطبيعة، وثانيا مضاعفة مساحة الزمن المتاح للبشر، فلولا الكهرباء لنامت المدن كما القرى فى الماضى بعد حلول الظلام مباشرة.

وثانى هذه الاختراعات العظمى هو دورات المياه فى البيوت التى جعلت الانتقال من البداوة والريف إلى المدينة ممكنا.

وثالث الاختراعات الكبرى هو الطباعة والتى نجحت فى أن تضاعف سرعة انتقال المعرفة. فلولا الطباعة لما كنا اكتشفنا أو عرفنا الاختراعات الأخرى أو ربما كنا عرفناها فى أزمنة لاحقة.

ورابع الاختراعات الكبرى هو الرياضيات بفروعها المختلفة. فالرياضيات هى أساس العلم الحديث بل هى الفارقة فى نقل المعارف من سيطرة الفلسفة والجدل النظرى والمعيارى، أى الذى يؤكد على ما ينبغى أن يكون، والمماحكات اللفظية التى تنطوى على رؤى ذاتية وبين العلوم سواء الطبيعية أو الاجتماعية.

وخامس هذه الاختراعات الكبرى هو النقود التى سهلت التفاعلات الإنسانية على نحو ما نستشعر جميعا. فلولا النقود، كوسيط للتبادل وكمخزن للقيمة، لما أمكننا الحديث عن تجارة وتبادل خدمات ومنافع بين البشر.

وسادس الاختراعات الكبرى هو الجامعات وما يرتبط بها من مراكز البحث العلمى. فلولا الجامعات ومراكز البحث العلمى لما أمكن أن تتضاعف المعرفة الإنسانية مرة كل ثلاثين سنة، على نحو ما نعيشه الآن.

وهو ما يبدو منطقيا مع حقيقة أن 90 بالمائة من العلماء الذين عرفتهم الإنسانية لا يزالون أحياء فكل الأسماء العظيمة من منتجى المعرفة فى العالم أجمع منذ سقراط وأفلاطون وحتى مصطفى مشرفة وجمال حمدان وكل من تركوا هذه الدنيا من علماء لا يشكلون أكثر من 10 بالمائة لأن العلم والبحث والاختراع والابتكار كلها أصبحت مهنة مستقلة بذاتها لا يمارسها العالم أو المخترع فى وقت فراغه.

وسابع هذه الاختراعات الكبرى وأقدمها وأصعبها هو الديمقراطية. فلولاها لما استفدنا من كل ما سبق وغيرها من اختراعات وإنما ظلت جميعها فى يد الحاكم الديكتاتور.

نعم كان من الوارد جدا أن توجد عشرات الصحف دون ديمقراطية، ولكن كلها تسبح بحمد الحاكم وتشكر فضله على ما أتاحه للبشر من نعمة الحياة. نعم كانت ستوجد جامعات ونقود واختراعات كهربائية، بدون الديمقراطية، لكن كان سيغيب أمن الناس على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وحقهم فى الاختيار.

فالديمقراطية بحق اختراع عبقرى يقوم على قهر القهر، أى وضع قيود قهرية على الحاكم المستبد. إنها فى أبسط تعريفاتها: ضمان تعدد مراكز صنع القرار فى المجتمع، فلا يوجد من يأمر وعلى الباقى السمع والطاعة.

كما أنها تضمن أن الحكومة فى حالة عمل دائم من أجل رفع المعاناة عن المواطنين. ومن مقولات أمارتيا سن، الاقتصادى الشهير، الخالدة «إن المجاعات، رغما عن أنها فى الأصل ظواهر طبيعية.

تظهر فى باكستان غير الديمقراطية ولا تظهر فى الهند الديمقراطية؛» لأن الحكومة التى تعلم أنها ستتحول إلى «محكوم» عليها فى يوم الانتخابات إما بالاستمرار، إذا فازت فى الانتخابات، أو بالتحول إلى المعارضة، إذا خسرت، لا يمكن أن تتهاون فى التزامها تجاه فئة مهمة من فئات شعبها.

ضع كل الاختراعات والابتكارات السابقة فى خلاط الحضارة، إن جاز التعبير، لتكتشف لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا. لقد شهدت مجتمعاتنا ملامح التقدم المظهرى والتخلف الهيكلى ــ كما يقول سمير أمين.

فلدينا إنفاق شديد على الدروس الخصوصية وهذا ليس إنفاقا على العلم ومن أجل العلم وإنما هى على الشهادات ومن أجل الشهادات كما يقول أحمد زويل، ولدينا اهتمام بتسجيل المواقف أكثر من اهتمامنا بإيجاد حلول عملية للمشكلات ــ كما يقول فؤاد زكريا.

ولدينا تحديث مادى دون ديمقراطية، وعلمنة بلا احترام أصيل لقيمة العلم، وتعليم بلا تفكير نقدى أو بناء مهارات، وانتقال إلى المدينة بلا تمدن حقيقى، وتحول للرأسمالية بلا احترام لأخلاقياتها ــ كما يقول على مزروعى.

إن المجتمع الحديث هو مجتمع يعرف قيمة هذه الاختراعات الكبرى جميعها مجتمعة متفاعلة ويكون طلبه عليها غير مرن ــ كما يقول الاقتصاديون ــ مثل طلب مدمن السجائر على السجائر.

فمهما ارتفعت تكلفة الحصول على التعليم أو على الحقوق السياسية فإن العارف بقيمتها مستعد للإنفاق ببذخ من وقته لو دخل السجن ومن عمره لو مات مناضلا؛ فهى بالنسبة له أقرب إلى الماء والهواء من حيث الأهمية. ألم يفعلها نيلسون مانديللا؟

أما مجتمعات ما قبل الحداثة، أى المجتمعات المتخلفة بقول أدق، فإنها قد تمتلك أفضل المطابع ولكنها لا تمتلك حرية الفكر، وقد يطرح عليها حزبها الحاكم أفكارا تحت شعار الإصلاح السياسى ولكنها فى النهاية أقرب إلى التغيير التكيفى «مثل تهدئة السيارة عند النزول فى مطب) منها إلى التطوير البنيوى (أى تغيير بنية العلاقة بين المجتمع والدولة وبين مؤسسات الدولة بعضها البعض».

وقد يكون فيها حرية رأى متاحة، لكنها تبقى بلا فاعلية، ويبقى المواطن مفعولا به ومفعولا لأجله لم تصبه من الحداثة واختراعاتها إلا المظاهر الخادعة سواء فى شكل تليفون محمول أو دش على أسطح المنازل.

لكن دهاء التاريخ والنتائج غير المقصودة لمظاهر الحداثة هذه يمكن أن تنتج على المدى الطويل إدراكا لأهمية ومحورية «خلطة» الاختراعات التى أنتجتها وحاجتنا لأن نمتلك مثلها.

لن يتقدم أى مجتمع إلا إذا أدرك أن أهمية الديمقراطية الحقيقية والجامعة المتميزة والبحث العلمى الجاد لا تقل عن أهمية الكهرباء والمياه والمجارى.

إن طابور الخبز مهم، وطابور المواصلات مهم، وطابور الخزينة مهم، لكن طابور الانتخابات هو الطابور الأهم لأنه يمكن أن يجعلك تتجنب كل الطوابير الأخرى باختيار حكومة تضعك كمواطن فى قمة أولوياتها.

إن نكوص المسلمين عن الابتكار وقبول ابتكارات الآخرين فى عالم السياسة والحكم وإدارة المال أسهما بشدة فى تراجع الحضارة الإسلامية إجمالا.

بيد أن النهوض كان سريعا للغاية فى الكثير من المجتمعات المسلمة وغير المسلمة المعاصرة حينما تولى الحكم فيها قيادات عرفت أهمية هذه الخلطة وابتكرت «مؤسسات» الحكم الديمقراطى الأهم والتى سيناقشها مقال الأسبوع القادم بإذن الله.

Friday, May 22, 2009

تراجع المسلمين فى مسار النظر والفكر والتطور الثقافى

أعمده

بقلم:
معتز بالله عبد الفتاح

22 مايو 2009 08:18:36 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 2

تراجع المسلمين فى مسار النظر والفكر والتطور الثقافى

انتهى مقال الأسبوع الماضى باستنتاج عام ارتبط بتراجع المسلمين فى أعمدة التحضر ومسارات التطور الكبرى للحضارات والأمم. فوفقا لبعض الموسوعات التاريخية فقد شهد آخر ألف عام صعود وانهيار 140حضارة ودولة كبرى لأنها لم تستطع أن تطور استجابات فعالة للتحديات التى واجهتها فى مقابل حضارات وأمم أخرى كانت أنجح منها؛ فانزوى الضعيف وافترسه القوى لأن الأقوى يملى شروطه على الأضعف بحكم طبيعة الأشياء. وللتذكرة فمسارات التطور الكبرى لأى حضارة هي: مسار النظر والفكر والتطور الثقافى، ومسار سياسة الحكم والمال وإدارة الدولة، ومسار الثروة والإنتاج والتراكم الرأسمالى، ومسار العلم والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، ومسار الحرب والسلاح وإدارة الصراعات، ومسار القيم والأخلاق والمبادئ. وقد يكون من المفيد أن نلقى الضوء على كل واحد من هذه المسارات.

وللمتابع الجيد لمقالات الأسابيع الثلاثة السابقة فقد كانت الصورة أحادية بالتركيز فقط على تراجع المسلمين دون أن تعطى ما يكفى من الاهتمام لما كانت عليه الحضارة العالمية الأخرى التى كانت تنافسنا منذ البداية وهى الحضارة الغربية. والتركيز على الحضارة الغربية، دون غيرها من حضارات الشرق مثلا، لأن هذه الأخيرة مثلت حضارات متقوقعة غير طموحة لتصدير فكرها وبسط هيمنتها على «الآخر.» وحتى يكون الحديث مركزا سنأخذ من مسار التنظير والتفكير والتطور الثقافى فكرتين اثنتين كانتا، مع غيرهما، من أسباب تقدم وتفوق المسلمين على الغرب لمدة سبعة قرون ثم أدى عدم تطورهما أو تطويرهما لأن تكونا سببين فى تراجعهم وتقدم غيرهم عليهم. وهاتان الفكرتان هما: التسامح الدينى للمسلمين فى مقابل العلمانية الغربية، وقواعد العدالة غير المدونة عند المسلمين فى مواجهة العدالة القانونية المنضبطة عند الغرب.

أولا، بشأن التسامح الدينى، فقد كان غير المسلم فى المجتمع المسلم يحيا حياة يجمع فيها بين عدد من الحقوق التى ما كان لأى مخالف فى الدين أن يتمتع بها فى ذلك الوقت. فقبل الإسلام، ما عرفت البشرية قط، فكرة أن يحيا امرؤ جهارا على دين يخالف دين من يحكمه. فالدين كان جزءا من الولاء للنظام السياسى. أما الإسلام فقد جاء للبشرية بحرية الدين (ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وكذا فى أكثر من مائة آية من آى القرآن العظيم. وهو ما وعاه وطبقه الكثير من الخلفاء المسلمين مثل وصية على بن أبى طالب لواليه على مصر مالك الأشتر بقوله: «ولا تكونن سبعا ضاريا، فهم إما أخ لك فى الدين أو نظير لك فى الخلق». وهكذا ضمن هذا التسامح أن تتسع دائرة الـ«نحن» التى تشمل المسلمين وغير المسلمين فى إطار الحضارة الإسلامية فى مواجهة دائرة الـ«هم» من أتباع الحضارات الأخرى. ومع ذلك ظل غير المسلمين، فى كثير من العهود الإسلامية، يعلمون أنهم ليسوا على قدم المساواة القانونية والسياسية مع نظرائهم من المسلمين فهم فى النهاية أهل الذمة وليسوا مواطنين كاملى المواطنة بالذات فيما يتعلق بحقوقهم السياسية حتى وإن عاشوا أحيانا عصورا ذهبية يذكرونها بكل الخير.

وقد تفوق الأوروبيون والأمريكيون على المسلمين فى سؤال التسامح تدريجيا بدءا من منتصف القرن السابع عشر بسبب الحروب الكثيرة التى عانوها باسم الدين. فإذا كانت هناك مساواة عامة عند المسلمين إلا فيما يتعلق بالحقوق السياسية مثلا، فقد وصل الغربيون إلى ما هو أكثر تسامحا من ذلك بأن تبنوا الليبرالية التى لا تهتم بأن تسأل الإنسان عن دينه من الأصل إمعانا فى المساواة القانونية والتسامح السياسى. ورغما عن أن الغرب يحتاج إلى سنوات كى يتراجع عما أحدثه شرخ 11 سبتمبر فى المجتمعات الغربية، إلا أن جذور التسامح الدينى فى المجتمعات الغربية لم تزل راسخة. ومن هنا فإن عددا من الفقهاء والمفكرين المسلمين المعاصرين يحاولون أن يمدوا خط التطور الفكرى على استقامته رافعين شعار: «مواطنين لا ذميين» لكن تحدى التسامح الدينى فى مجتمعاتنا لم يزل أعمق كثيرا مما نطمئن إليه.

وقد تفوق الأمريكيون على الأوروبيين مرة أخرى فيما يتعلق بمساحة التسامح الدينى والسياسى فطبقوا صيغة علمانية أكثر ليبرالية من الصيغة العلمانية الأوروبية. فقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكى فضلا عن عشرات الأحكام القضائية سواء من المحكمة الدستورية أو غيرها من المحاكم الفيدرالية على مبدأين هامين أصبحا بمرور الوقت الأساس الذى تقوم عليه الليبرالية: فأولا لا تتدخل الدولة لتدعم دينا على حساب دين آخر، وثانيا لا تمنع الدولة أيا من مواطنيها ممارسة شعائر دينهم فرادى أو جماعات. وهكذا اتسعت دائرة الـ«نحن» لتشمل مبدعين مسحيين، ويهودا، ومسلمين، ولا دينين، على قدم المساواة فى مجتمع واحد. وهذه ليست دعوة لتبنى النمط الأمريكى ولكنها ملاحظة تستحق التأمل بأن المجتمعات لا تكون أكثر تقدما وهى أقل تسامحا.

وثانيا، تأتى فكرة العدالة بمعنييها القانونى والاجتماعى. فقد تفوق الإسلام على جميع الأديان والنظم السابقة عليه بأن جعل شريعته الشريفة فوق الجميع حاكمين ومحكومين كما أعطى لسلطة القضاء الكثير من المكانة والهيبة اللتين جعلتا منها أداة هامة لإقرار الحقوق والواجبات فى المجتمع. وهو ما جعل القاضى سيف الشرع المصلت على الجميع، بيد أن مدى قدرة القاضى على أن يقوم بوظيفته تلك كانت محفوفة بعدة مخاطر. فأولا وجود مذاهب فقهية متعددة جعل الجريمة الواحدة يمكن أن يكون لها عدة عقوبات وفقا للمذهب الفقهى، وثانيا غياب القانون المكتوب جعل بعض الخلفاء والولاة الذين فى قلوبهم مرض يطمعون فى أن يلووا أعناق الأقوال والاجتهادات الفقهية كى تخدم مصالحهم، فيضيق النص ويتسع مع موازين القوى فى المجتمع. وهناك ثالثا فكرة القاضى الفرد الذى يقضى بلا مشورة أو استئناف أو نقض. فهو قاض واحد يسمع من المدعى والمدعى عليه، فيقضى بينهما ولا مجال للنقض أو الاستئناف.

وكان هذا النظام، رغما عما يبدو فيه من عيوب، أفضل كثيرا من محاكم القرون الوسطى فى أوروبا حيث نظير كل هذه العيوب ومعها ما هو أكثر من ذلك من سيطرة بابوات الكنيسة وأمراء الإقطاع على المحاكم.

ولكن عصر النهضة فى أوروبا شهد تطورا ضخما فى مفهوم القضاء بأن انفصل ابتداء عن القضاء الكهنوتى وأصبح مكتوبا فى نصوص يقوم بتشريعها ممثلو الشعب بل وأصبحت المحكمة، فى القضايا الهامة، تتكون من ثلاثة قضاة على الأقل حتى يتشاوروا ويذكر بعضهم بعضا. بل أصبح حتما لكل متقاض أن يكون له محام لأن بعض الناس ألحن من بعض، كما يقول رسولنا الكريم (ص)، فضلا عن أن التفاوت الطبقى يمكن بعضهم من أن يوكل محاميا والبعض الآخر يظلون على جهلهم بالقانون. وهو ما جعل رفاعة الطهطاوى يقول «إن النظام القضائى الفرنسى أكثر عدلا، وبالتالى أكثر التزاما بروح الإسلام، من نظام المحاكم الشرعية، حيث القاضى المنفرد والمذاهب الفقهية المتعددة، الذى كان سائدا فى المجتمعات الإسلامية». بل إن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ذهبوا إلى ما هو أكثر من ذلك، فقد جعلوا لكل ولاية قانونها المكتوب والذى يتناسب، من وجهة نظرهم، مع ظروف كل مجتمع ومدى تطوره الفكرى والاجتماعى والسياسى.

والأمر لم يكن بعيدا عن العدالة الاجتماعية أيضا، فالإسلام أعطى للفقراء حقوقهم بغض النظر عن دياناتهم ماداموا يعيشون متكافلين. وقد أخذ الغرب فترات طويلة من الصراع الطبقى والكساد الرأسمالى حتى يدرك أهمية أن تتخلى الدولة عن سلبيتها تجاه معاناة الفئات الأفقر والأضعف. وهو جوهر ما نسميه دولة الرفاهة التى تبنتها العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الدول الإسكندنافية وكندا وفرنسا وبقية دول الغرب على تفاوت واضح فى مدى التزامها بمبادئ التكافل الاجتماعى.

إذن من يصل إلى فكرة أعمق وأفضل، يفوز بعوائدها أسرع وأكثر ممن يتلكأ فى الاستفادة منها فما بالنا بمن يرفض أفكار العالم الحديث بالكلية. وهو ما كنا أقرب إليه فى مسارات التحضر الكبرى.