Monday, February 23, 2009

في رثاء الطيب صالح: لا يصح في النهاية إلا الصحيح

الاهتمام الكبير الذي حظي به خبر وفاة الأديب السوداني العظيم الطيب الصالح، ونشر الخبر في الصفحة الأولى من معظم الصحف المصرية (وربما العربية أيضًا)، والكلمات المؤثرة التي صرح بها أدباء وكتاب كثيرون في رثائه، أكدت لي من جديد أنه في النهاية «لا يصح إلا الصحيح».


فما أكثر ما ينشر من روايات وقصص، وما أكثر ما يكتبه كتاب كبار وصغار، وما أكثر إلحاح وسائل الإعلام على إذاعة حوارات بين كتاب ومفكرين مهمين وغير مهمين، ولكن عندما يجد الجد ويضطر الناس إلى الاعتراف بالحقيقة، والتمييز بين الغث والسمين، وإعطاء كل صاحب حق حقه، تختفي فورًا أسماء كثيرة صدعتنا بهم وسائل الإعلام، وأثارت مللنا بنشر صورهم ومقالاتهم، بل وأضفت عليهم صفات لا يستحقونها، وتبرز فجأة أسماء الكتاب الحقيقيين والمفكرين العظام.

المدهش أيضًا (أو ما قد يبدو مدهشًا ولكنه ليس كذلك في الحقيقة) أن الطيب صالح كان من أقل الروائيين العرب إنتاجًا (إذا قيس الإنتاج بعدد الروايات أو عدد صفحاتها)، فهو لم يكتب إلا خمس روايات صغيرة الحجم، لا يزيد أي منها على مائتي صفحة من الحجم الصغير. مما يؤكد أيضًا أن الإلحاح بالكتابة مثل الإلحاح في الإعلام، ليس ضروريًا أبدًا للحصول على هذا المقام الرفيع بين الكتاب والأدباء. بل ومن بين هذه الروايات القليلة كان الإلحاح في الإعلام والنقد الأدبي على رواية واحدة هي «موسم الهجرة إلى الشمال»: رواية صغيرة ولكنها تمس شغاف القلب، ويعيد المرء قراءتها المرة بعد الأخرى، فلا ينضب معينها، وكأن القارئ في كل مرة مستخلص فيها معاني جديدة لم تخطر له من قبل.

* * *

كان من حسن حظي أنني تعرفت على الطيب صالح شخصيًا، ثم توالت لقاءاتنا، في القاهرة ولندن، فلم أر منه قط، في كلامه أو سلوكه، ما يغير قيد أنملة من الصورة البديعة التي ارتسمت في ذهني عنه: النفس الصافية التي تشع من كتاباته هي بالضبط ما تراه في شخصه، الصدق التام مع قارئه يقابله صدق تام في معاملته، إحساسه العميق بأن الحقيقة معقدة أكثر بكثير مما نتصور، هذا الإحساس الذي تخرج منه من قراءة رواياته، تلمسه أيضا عندما تسمع أحكامه على الأشخاص والكتب: إنه لا يتردد في إغداق الثناء على من يستحقه ولكنه لا يقسو قط على من لا يستحق، بل يفضل الصمت مع الابتسام، أو بتعليق بسيط يثبت التهمة ولكنه يطلق سراح مرتكبها.

كانت تدهشني منه، من حين لآخر، بعض المواقف أو الآراء التي لم أكن أتوقعها من أديب كبير مثله، ولكنى سرعان ما اكتشفت أنني كنت مخطئا في أن أتوقع ذلك، وأن من الممكن جدًا أن يكون الأديب كبيرًا، ولكنه يتخذ هذه المواقف التي لا تنقص من شأنه ولكنها تؤكد صدقه مع نفسه.

سمعته أكثر من مرة يصف الصعوبة التي يلقاها في الكتابة، بل أظن أنه استخدم مرة كلمة «العذاب» في وصف ما يعانيه أثناء الكتابة، ومن المؤكد أنه قال إنه يتمتع بالقراءة أكثر بكثير، ولكنى أظن أن قلة إنتاجه (من حيث الحجم) لا تعود في الأساس إلى هذه المعاناة، وأن السبب الأساسي هو أنه كان من أقل الناس غرورا، ومن أقلهم حبًا في الظهور.

كان يسره الثناء بالطبع، ولكنه كان سريع الملل منه، بل ولعله كان يضيق بالكثير منه، ولا يمنعه من التعبير عن ضيقه إلا ذلك الأدب السوداني الجم، والحرص على المجاملة التي لا يترتب عليها ضرر يذكر.

لم أكن حسن الحظ بأن أقترب منه بدرجة اقتراب بعض المثقفين المصريين منه، كرجاء النقاش مثلا، الذي كان صديقه الصدوق، ومحمود سالم الكاتب الموهوب الذي لم يكن يمكن أن يخلو منه مجلس فيه الطيب صالح. ولكنى أحمد الله على أن أتيح لي من الالتقاء به وملاحظة تصرفاته ومواقفه، ما يكفى لبث الثقة في نفسي في أن الأمة التي يمكن أن تنتج رجلا كالطيب صالح، يمكن أيضا أن تقوم من عثرتها، وأن تعود للمساهمة في الحضارة الإنسانية، مثلما فعل هذا الرجل بجهده المنفرد.

Tuesday, February 17, 2009

أربعة رجال عظام فقدتهم مصر

أعمده

بقلم:
جلال أمين

17 فبراير 2009 03:33:19 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 0

أربعة رجال عظام فقدتهم مصر

في أسبوع واحد من الشهر الماضي «يناير 2009» فقدت مصر كاتبين ومفكرين مرموقين هما الأستاذ محمود أمين العالم والدكتور عبد العظيم أنيس. وقبل ذلك بشهرين فقددنا علما أخر من أعلام اليسار المصري هو الدكتور إبراهيم سعد الدين، وقبله بعامين رحل كاتب ومناضل يساري كبير آخر هو الدكتور إسماعيل صبري عبد الله.

هؤلاء الأربعة الكبار الذين لعبوا دورا رائعا في الحركة الاشتراكية المصرية، توفوا جميعا في السنوات الأولى من هذا القرن، كما أنهم ولدوا جميعا في غضون السنوات القليلة التالية لثورة 1919، كلهم إذن حظوا بعمر مديد إذ تجاوزوا كلهم سن الثمانين. كان كل منهم يبادل الآخرين الاحترام والتقدير، بل وجمعت بين بعضهم صداقات حميمة اقترنت بالتعاون في تأليف كتب مهمة، أو في نشاط سياسي وصحفي مؤثر، أو في عمل طويل المدى، وجرى اعتقال معظمهم في نفس الوقت وأطلق سراحهم في نفس الوقت أيضا.

كلما نتأمل المرور حياتهم وصفاتهم الشخصية اكتشفت أشياء مهمة تجمع بينهم جميعا، وأصابها الضعف بالتدريج في الأجيال التالية من اليساريين والمثقفين المصريين، حتى كادت تختفي تماما، لابد أن الأمر يعود إذن، مفضلا عن مواهبهم الشخصية إلى ظروف الحياة في مصر وما طرأ عليها من تغير خلال هذا العمر المديد. فما هو يا ترى ذلك الشيء الرائع في أن يولد المرء خلال السنوات الخمس الأولى التالية لثورة 1919؟.

لابد أن مصر كانت تبدو في عيني صبي مصري ذكى ومرهف الحس في نحو العاشرة من عمره، في السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن العشرين، بلدا مثيرا تنبض حياته السياسية والثقافية بالحياة، وواعدا بمستقبل باهر لا يحول بين المصريين وبينه إلا الاحتلال الانجليزي والقصر الملكي وحفنة من السياسيين المتعاونين معهما. ولكن لا شيء هناك يبعث على اليأس من الشعب نفسه ولا على الشك في عظمة تاريخه وتراثه، أو في قدرته على بناء اقتصاد قوى ونظام سياسي نظيف أو إنتاج ثقافة رفيعة.

كل شيء حولهم كان يؤدى إلى هذا الاعتقاد، نعم، كان إسماعيل صدقي باشا قد بدأ الثلاثينيات بإلغاء دستور 1923 وبحكم البلاد بيد من حديد، لكن الحركة الشعبية ضده سرعان ما اضطرته إلى الانسحاب وأعادت زعيمها المحبوب مصطفى النحاس إلى الحكم. نعم، لم تكن المعاهدة التي عقدها النحاس في 1936 مع الإنجليز، معاهدة مشرفة بالضبط رغم تسميته النحاس لها بمعاهدة الشرف والاستقلال، إذ لم تجلب إلا درجة مفقودة من الاستقلال، ولكن الإنجليز كانوا يبدون وقتها في ورطة شديدة بسبب شبح حرب عالمية جديدة، وهم مستعدون للتعاون مع زعيم الحركة الوطنية المصرية وتلبية بعض مطالبها من أجل الاحتفاظ بالاستقرار في مصر، على الأقل حتى تنتهي الحرب.

الانتخابات في عمومها كانت نظيفة، والبرلمان الذي تأتى به محترم والمناقشات التي تجرى في مجلس النواب والشيوخ، على مستوى عال من الكفاءة والأدب. صحيح أن القوانين المرغوب فيها لا تصدر، ولا يمكن أن يصدر في ظل نظام إقطاعي يسيطر ممثلوه على البرلمان، ،ولكن كل هذا بسبب الاحتلال الإنجليزي. فالعقبة أمام التقدم واضحة كالشمس، وهى الاحتلال، والعمل المطلوب أيضا واضح كالشمس، وهو إجلاء الإنجليز، والناس كلهم، باستثناءات تافهة جدا مجمعون على ذلك مثقفين وأميين، طلبة وعمال، طبقة وسطى أو دنيا، من أهل الريف أو المدن.

أما روعة الحياة الثقافية فحدّث عنها ولا حرج. كان هؤلاء الصبية الموهوبون، في صباهم ومطلع شبابهم يفتحون الصحف اليومية فيجدون مقالات بأقلام طه حسين والعقاد والدكتور محمد حسين هيكل، ويقرءون كتب هؤلاء بالإضافة إلى كتب توفيق الحكيم وسلامة موسى، والمقالات الأدبية في مجلتي الرسالة والثقافة الأسبوعيتين، كان على رأس دار الهلال ودار المعارف مثقفان لبنانيان كبيران، ويرأس تحرير مجلات دار الهلال ويشرف على إصدار كتب دار المعارف مثقفون مصريون على أعلى درجة من الوطنية والنزاهة الفكرية. وكان هؤلاء الصبية يستطيعون عند الفراغ من المذاكرة أو من الإضراب ضد حكومة غير شعبية أو ضد الإنجليز، أن يرفهوا عن أنفسهم بالذهاب إلى المسرح أو السينما لمشاهدة مسرحيات أو أفلاما مصرية راقية في مضمونها وفنها، فإذا استمعوا إلى الموسيقى أو أغاني وجدوا أم كلثوم وعبد الوهاب يغنيان أغاني كتب كلماتها مؤلفون من نوع بيرم التونسي أو أحمد رامي أو أحمد شوقي، ووضعت لها موسيقى لم يفسرها بعدما أصابها من إفراط في التغريب بعد الحرب العالمية الثانية.

كانوا كلهم من عائلات تعتز باللغة العربية وبإجادتها لها، وتلقوا هم أنفسهم تعليما جيدا في مدارس حكومية، فلم يذهب أحد منهم إلى مدرسة أجنبية، وتخرجوا كلهم من جامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن» وفى المدرسة و الجامعة قرأوا كتب كتبت بلغة عربية صحيحة وسمعوا مدرسين وأساتذة يجيدون النطق والكتابة بلغة بلادهم. لا عجب أن هؤلاء الأربعة كانوا فى كتاباتهم أو محاضراتهم ناصعي الأسلوب واضحي العبارة دائما، وظلوا يعبرون بطريقة أو أخرى عن احترامهم للغة العربية، وكان اثنان منهم على الأقل «أنيس والعالم» عاشقين للأدب، وناقدين ممتازين لما يصور من أعمال أدبية.

كانت المدن المصرية في الثلاثينيات، عندما بدأ هذا الجيل من المثقفين المصريين يعي ويفهم ما يدور حوله من أحداث سياسية واجتماعية، منفتحة على العالم أكثر مما هما الآن، على الرغم من كل ما يقال الآن عن العولمة. صحيح أن الطبقة الوسطى كانت تعتمد على استهلاكها أساسا على سلع مصرية «بفضل طلعت حرب والأزمة الاقتصادية العالمية» ولكن الطبقة الوسطى المصرية، ويا للغرابة، كانت أكثر دراية بما يجرى في العالم الخارجي من تيارات فكرية مما هي الآن. لم يكن هناك تليفزيون بل حتى الراديو كان قليل الانتشار، ولكن كانت الصحف أكثر حرصا على نقل ما يدور في العالم، وكان في مصر مترجمون أكفاء، يفهمون ما يترجمونه ويصفونه في لغة عربية صحيحة ومفهومة.

كم كان هؤلاء الأربعة إذن محظوظين من أكثر من ناحية، بالمقارنة بشبابنا اليوم، دخل كل منهم كلية جامعية مختلفة مما دخله الآخرون، وتتخصصوا في علوم مختلفة: القانون والاقتصاد «إسماعيل صبري»، والإحصاء الرياضي «عبد العظيم أنيس»، والفلسفة «محمود العالم» وإدارة الأعمال «إبراهيم سعد الدين»؛ لكنهم كانوا كلهم موسوعي الثقافة، ويحملون كلهم احتراما حقيقيا لكل أنواع الثقافة الراقية سواء أتتهم من الغرب أو الشرق. كانوا وطنين دون أن يكونوا شوفونيين. يعادون الغرب سياسيا ويحترمونه ثقافيا، ومستعدين للنهل منه إلى أخر الحدود طالما كان في ذلك نفع لمواطنيهم، تجيدون القراءة والحديث بلغة أجنبية «الإنجليزية أو الفرنسية أو كليهما» ولكنهم يجيدون أيضا لتعبير بلغتهم القومية.

Sunday, February 15, 2009

التنصت على التليفونات.. والاستثمار الأجنبي


جلال أمين

15 فبراير 2009 10:33:08 م بتوقيت القاهرة

تعليقات: 4

التنصت على التليفونات.. والاستثمار الأجنبي

منذ أسابيع قليلة أدلى وزير الاتصالات الدكتور طارق كامل بتصريح مدهش لم ينل ما يستحقه من تعليقات، قال ما معناه إن الحكومة المصرية تتنصت بالطبع على المكالمات التليفونية، إذ إنه، إذا لم تفعل الحكومة ذلك، لن تأتى استثمارات أجنبية إلى مصر!

التصريح مدهش من أكثر من ناحية: الحكومة تتنصت على المكالمات التليفونية، وكنا نظن أن ذلك عهد قديم قد انتهى، ووزير من وزرائها يعترف بذلك، وكأنه أمر طبيعي ولا غضاضة فيه، وكنا نظن أن هذا عمل مشين جدا ولا يشرف أي حكومة، ثم يربط الوزير بين هذا التنصت وتدفق الاستثمارات الأجنبية، فما العلاقة بين هذا وذاك؟

قرأت عدة تعليقات على هذا التصريح، ولكن كل ما قرأته كان من باب السخرية وبقصد إثارة الضحك، إذ قدم التصريح مادة خصبة ليحتل ما يمكن أن يدور بين مصريين في مكالمة تليفونية ويؤدى بالمستثمر الأجنبي إلى العدول عن قراره بالاستثمار في مصر.

ولكن التصريح يستحق أيضا بعض التفكير الجاد، خاصة أن الوزير كان جادا تماما عندما أدلى بتصريحه.
من أول ما يمكن أن يعترى المرء إزاء سماعه بهذا التصريح، الاندهاش الشديد من مدى التغير، الذي حدث في مصر خلال الأربعين أو الخمسين سنة الماضية (بل ربما أيضا في العالم كله) نعم كان هناك تنصت على التليفونات في مصر في الستينيات من القرن الماضي، وعلى نطاق واسع، ولم يكن أحد يشك فيه إلا إذا كان غافلا تماما عن طبيعة النظام السياسي في مصر في ذلك الوقت.

ولم يكن الأمر مقتصرا على التليفونات، إذ كان هناك تنصت من سائق التاكسي على ركابه، ومن بعض الطلبة على أساتذتهم، ومن بعض أساتذة الجامعات على زملائهم.. الخ، ولكن هذا كله كان يتم دائما في السر، وكان اكتشافه يمثل فضيحة دائما للقائم بالتنصت ولمن أوعز له به.

فما الذي حدث منذ ذلك الوقت ليجعل وزيرا محترما يصرح بأن الحكومة تتنصت على الناس دون أن يبدو أنه يعترف بشيء خطير؟

بل إننا كنا نظن أن هذا التنصت قد انتهى منذ أن أعلن أنور السادات في أوائل السبعينيات القضاء على ما سماه «مراكز القوى»، والتي كانت تبدو مسئولة أكثر من غيرها عن الطابع البوليسي، الذي ساد مصر في الستينيات، ثم إصداره الأوامر بإحراقه كثيرا من الملفات، التي كانت تحتفظ بها أجهزة المخابرات، ومنذ انتهاء الظاهرة، التي عرفت باسم «زوار الفجر»، حيث كان يأتي بعض رجال المباحث للقبض على بعض النشطاء سياسيا في بيوتهم خلال الليل، وأخذهم إلى أقسام الشرطة دون أن يعرف هؤلاء بالضبط التهم الموجهة إليهم، ولكنهم لا يستغربون الأمر إذ ربما لم تتجاوز جريمتهم التفوه بجملة في التليفون أو غيره، تعبر عن شعور عدائي تجاه النظام أو أحد رجاله المهمين، كنا نظن أن هذا كله قد انتهى منذ عهد السادات، فما الذي جرى يا ترى مما يجعل هذا التنصت ليس فقط مرغوبا فيه بل أيضا، على حد تعبير وزير الاتصالات، شيئا ضروريا؟


ولكن قليلا من التأمل لابد أن يؤدى بنا إلى تصديق ما أشار إليه الوزير على الأقل، فيما يتعلق بقيام الحكومة بالتنصت على الناس، سواء كان لهذا علاقة بالاستثمار الأجنبي أو لم يكن.

فمن ناحية، أدى تطور تكنولوجيا الاتصالات خلال الأربعين عاما الماضية إلى تقدم كبير في التنصت على الناس دون أن يشعر الناس بذلك، ففي الستينيات مثلا كان المتكلم فى التليفون يشعر أحيانا بأن شخصا غريبا دخل على الخط، مما قد يدفعه إلى توخي الحذر، لم يعد هذا ضروريا في ظل الوسائل الحديثة للتنصت، فمن الممكن الآن ممارسة التنصت في اطمئنان تام، الأهم من ذلك أن الحكومات الحديثة كلها وبدون استثناء أصبح لديها مبرر قوى لمختلف أنواع التنصت دون حاجة للتعلل بالشك في معاداة شخص ما لسياسة النظام الحاكم أو معاداة للقائمين بالحكم، ليس من الضروري أن يكون التنصت عليه شيوعيا أو يساريا أو متطرفا من أي نوع، يكفى أن يكون هناك شك في احتمال أن يكون المتنصت عليه عازما على القيام بعمل «إرهابي» و«الإرهاب» يستخدم الآن بمعان متعددة دون أن يشترط في القائم به أو فيمن يحتمل أن يقوم به الانتماء إلى أي تنظيم سياسي أو اعتناق أي مذهب معاد لنظام الحكم.

يكفى مثلا أن يوجد معه قبل أن يستقل أي طائرة مطواة صغيرة أو مقص أو أمواس حلاقة، أو حتى زجاجة ماء عادية، ولكن حجمها يزيد عن حجم معين يكفى لصنع مادة متفجرة إذا أضيفت إليها بعض المواد الكيماوية، والتي قد يكون الإرهابي قد أخفاها في مكان ما في جسمه.

المهم أن وصف الإرهابي يستخدم الآن بمعان كثيرة وواسعة لدرجة تكاد تطال كل شخص، وفى هذه الحالة يمكن افتراض أن كل شخص هو إرهابي إلى أن يثبت العكس، ومن هنا يمكن تبرير التنصت على أى شخص دون اشتراط أي من المبررات التقليدية للتنصت.

لابد أن مثل هذا التفكير كان وراء إدلاء وزير الاتصالات بهذا التصريح المدهش، دون أن يشعر بأي غرابة فيه، ولكن ما علاقة هذا كله بالاستثمار الأجنبي.. هل الإرهاب يخيف المستثمر الأجنبي أكثر مما يخيف غيره من الناس؟ خطر لي أن الإجابة قد تكمن فيما قرأته منذ سنوات طويلة، عندما بدأ الحديث بكثرة عن ظاهرة الشركات متعددة الجنسيات واستثماراتها خارج حدودها الأصلية، وقيامها بنشر نشاطها من دولة لأخرى، كلما وجدت المناخ الاستثماري في دولة أفضل منه في دولة أخرى، قرأت أن من أول ما تسأل عنه الشركة العملاقة قبل أن تقرر الاستثمار في دولة من دول العالم الثالث هو شخصية وزير الداخلية والمقصود بذلك مدى حزمه وشدته، ودرجة استعداده للضرب بيد من حديد في مواجهة أي شغب أو إضرابات عمالية تطالب بزيادة الأجور، أو تشكو من ظروف العمل أو من الاستغناء عن بعض العمال الخ.

المناخ السياسي مهم طبعا لهذه الشركات، وهى تعود إلى تقييمه وبحث مدى ملائمته بين الحين والآخر، إذ إن التقلبات السياسية العتيقة قد تهدد استثماراتها بالخطر، وقد تؤدى إلى فرض قوانين جديدة ليست في صالحها، وقد تفرض فجأة قيودا على تحويل الأرباح إلى الخارج بعد أن كان هذا مباحا، لابد إذن من الاطمئنان إلى ما يسمى بـ«الاستقرار»، ومن أجل ضمان هذا الاستقرار قد يكون «التنصت التليفوني ضروريا».

ولكن لنفرض أن كل هذا صحيح، التنصت ضروري لضمان الاستقرار والاستقرار ضروري لقدوم الاستثمارات الأجنبية لماذا نعلق كل هذه الأهمية على قدوم الاستثمارات الأجنبية، لدرجة التضحية بواحدة من أهم الحريات الشخصية، وبحق من أهم حقوق الإنسان حرية التعدد وإبداء الرأي، وحق التعبير عن النفس بلا قيد، والتحرر من الخوف من أن يكون المرء مراقبا باستمرار، تحصى عليه حركاته وسكناته وتعرف كل أسراره وأخطائه بل تسجل عليه ليحاسب عليها عند اللزوم؟

هل تشجيع الاستثمار الأجنبي يبرر كل هذا الخوف، وفقدان الحرية إلى هذه الدرجة.. ما هو يا ترى المبلغ الذي إذا حصلت عليه الدولة من المستثمر الأجنبي، أصبح مثل هذا التقييد لحريات الناس مبررا ومشروعا؟ مقابل أي ثمن، يا ترى يمكن أن يرضى الإنسان بأن تصبح أسراره ملكا مباحا لوزير الاتصالات ليفعل بها ما يشاء؟
ألهذه الدرجة تغير العالم في الأربعين أو الخمسين عاما الماضية، فأصبح من الممكن لرجل محترم كوزير الاتصالات أن يدافع عن تقييد الحريات بحجة تدور حول النقد الأجنبي، الذي ستحصل عليه الدولة ودون أن يبدو وكأنه خطر بباله أى شك فى صحة هذا النوع من التفكير؟

Monday, February 9, 2009

الغنوشي يكتب: مدن بلا أسوار.. إلا غزة

الغنوشي يكتب: مدن بلا أسوار.. إلا غزة





راشد الغنوشي

الإنسان، فردا وجماعة، معرض إلى أخطار شتى، يمكن أن تفاجئه في كل حين فتفسد عليه هناءه، وقد تودي بحياته أصلا، لذلك تراه يبتغي جاهدا اللواذ بركن شديد، سواء كان معنويا من يقينيات إيمانية، أو كان اجتماعيا مثل ضروب التأمين، أو كان أمنيا وعسكريا مثل الحصون وأنواع السلاح، على اعتبار أن التدافع بين البشر والتظالم سنة ثابتة، وقل أن توقف أمام رغائب الاستكثار والأثرة، دون رادع مرهب وحاجز قوي صاد.

"
الفجوة التقنية الشاسعة بيننا وبين الغرب ومنه دولة العدو الصهيوني في مجالات الصناعة الحربية جعلت مدننا وقرانا وجملة حمانا كلأ مباحا، فلا الأسوار الموروثة بقي فيها ما يجدي نفعا خارج مجال السياحة، ولا نحن استعضنا عنها بتقنيات حربية مكافئة كفيلة بحماية سمائنا
"
فماذا أبقى لنا معشر العرب والمسلمين تطور تقنيات الحرب من حواجز وحصون لصد معتدين متربصين مستأثرين دوننا بتلك التقنيات؟

1- بقايا حصون فقدت وظيفتها: لا تزال كثير من المدن التاريخية حريصة على الاحتفاظ بآثار وبقايا ومعالم من أسوارها شاهدة على عظمة تمدنها ورقي حضارتها وقوة منعتها، وذلك رغم فقدان تلك الأسوار أو بقاياها ما كان لها من وظائف عسكرية، دفاعا عما وراءها من ساكنة ومتاع في وجه كائد متربص، فيكون السور الحصن الأخير لوقف زحف الغزاة، لمدد تطول أو تقصر، لتنتهي إما باقتحام المدينة بعد ضيق أهلها بالحصار أو بارتداد الغزاة عنها يأسًا، كما ارتد الأحزاب عن تحصينات المدينة المنورة، وكما ارتد على الأعقاب جيش الصهاينة خائبا مدحورا عن "الحصون العتيدة" لغزة العزة.

ورغم أن الحصون والأسوار قد فقدت وظائفها العسكرية أمام التطور المذهل لتقنيات المقذوفات المدمرة من بعد، فإن مبدأ تحصين المدن وحدود الدول عموما من أخطار العدوان المتزايدة، لا يزال الشغل الشاغل للقائمين على مهام الأمن القومي للدول، لحماية شعوبها وحدودها من كل عدوان محتمل والتصدي له، ورد مقترفيه على أعقابهم.

وفي زمننا هذا تتوزع تقنيات حماية الأمن القومي بين وسائل دفاعية متعددة وأخرى هجومية، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي، ولكن ليس من بينها الأسوار الموروثة.

2- مدن وأوطان مستباحة: والحق أن الفجوة، بل قل الهوة التقنية الشاسعة بيننا وبين الغرب، ومنه دولة العدو الصهيوني، وبالخصوص في مجالات الصناعة الحربية، جعلت مدننا وقرانا وجملة حمانا كلأ مباحا، فلا الأسوار الموروثة بقي فيها ما يجدي نفعا خارج مجال السياحة، ولا نحن استعضنا عنها بتقنيات حربية مكافئة كفيلة بحماية سمائنا وما تحتها من بشر وحجر وشجر، بما يضع حدا لهذا الواقع البائس الذي انتهينا إليه، حيث يكاد يستوي الرجل والمرأة، الكبير والصغير، المسلح وغير المسلح، الحاكم والمحكوم، فكلهم إزاء الصواريخ العابرة والقاذفات العملاقة والطائرات التي لا طيار لها أطفال قصر "ولاية".

روى لي صديق جزائري كان قد قابل المرحوم طه ياسين رمضان إثر العدوان الأميركي سنة 1991على العراق، أنه ذكر له أن أصوات المضادات العراقية للقصف الأميركي المدمر التي كانت تسمع لم يكن لها من وظيفة إلا الوظيفة النفسية المتمثلة في تزويد السكان المروعين من هول الحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم ليل نهار صبّا -ولا رادع- بجرعة من الطمأنينة بأن الدولة قائمة، وهي بصدد الدفاع عنهم! لكن مطلقي تلك المدافع المضادة أنفسهم والمسؤولين عنهم يعلمون يقينا أنها أعجز من أن تنال قاذفات العدو.

بل ذكر له أنه قد تبين لهم أن الدولة التي زودت العراق بهذه المضادات المتخلفة، قد سربت معلومات عنها دقيقة إلى الأميركان، بما جعل "الفارس" الأميركي الهمام في شبه نزهة فوق سماء عاصمة الرشيد، آمنا من كل خطر.

إن وضعا مثل هذا يكاد ينتفي معه معنى الحرب، بسبب الاختلال الكامل للتوازن العسكري، إذ ليست هي حربا، طائرة مقابل طائرة ودبابة مقابل مثلها وإنما هي عربدة على السكان المساكين اليتامى تشبه أن تكون رحلة صيد لحيوانات أليفة وليست حتى حيوانات برية مزودة بجهاز دفاعي لتوقي الأخطار.

إن وضعا مثل هذا قابل لأن يتكرر بل هو في حكم الأمر الواقع لو أن أي مدينة أو عاصمة عربية تعرضت لامتحان شبيه بالذي تعرضت له بغداد، بل لأقل من ذلك بكثير، وهو ما يجعل المدن العربية بما فيها العواصم في حكم الساقطة حربيا ضمن الإستراتيجيات الدفاعية المتبعة.

3- فماذا يعني ذلك؟

أ- إن الفجوة بل قل الهوة الساحقة بيننا وبين الغرب جعلت إستراتيجياتنا الدفاعية القائمة على جيوش تقليدية مسلحة بأسلحة مستوردة من نفس الجهة التي تمثل مصدر الخطر الأساسي على أمننا القومي، كدول حلف شمال الأطلسي وقاعدته المتقدمة إسرائيل، ضربا من العبث وخداع النفس وتبديد الجهود والأموال الطائلة في غير طائل، اللهم إلا تشغيل مصانع السلاح في دول الغرب وتدوير الأموال، وبخاصة أموال النفط بإعادتها إلى الخزائن الغربية عبر صفقات الأسلحة بعشرات، بل بمئات المليارات من الدولارات.

"
أي مجتمع لا يتمتع فيه المواطن بحق الكرامة والحرية ليس مستحقا للذود عن حياضه، بل قد يكون بمكان الباحث عن سبيل للخلاص منه وطعنه من الخلف انتقاما لكرامته، كما فعلت بعض المعارضات
"
وما تلبث تلك الأسلحة أن ترسل إلى مستودعات الصدأ والإهمال لتحل محلها أخرى، يعلم من زودنا بها علم اليقين أنها لن تجدي نفعا في مواجهة أجيال من الأسلحة أبعد منها تطورا، زودت بها الجيوش الغربية ومنها ترسانته المتقدمة في إسرائيل.

وذلك ما أثبتته تجربة سقوط بغداد وقبلها بيروت، بما لا يبقي لهذا الضرب من الإستراتيجية الدفاعية من معنى غير تشغيل المصانع الغربية كجزء من ضريبة التبعية والاستلحاق، وغير الدفاع عن الأنظمة القائمة في مواجهة هبات شعوبها، باعتبار ذلك آخر حصن تعتصم به قلاع الظلم إذا فشلت في المهمة جحافل الشرطة السرية والعلنية، وهي الدرع الأول والمصدر الأعظم لشرعية الأنظمة، بعد الدعم الخارجي.

ولذلك ترى ميزانيات وزارات الداخلية في تصاعد مستمر حتى فاقت ميزانيات وزارات الدفاع، بنفس نسبة تدهور شرعية الأنظمة. نحن أمام جيوش تشبه أسوار المدن القديمة فاقدة للوظيفة الأصلية التي جعلت لها وما بقي لها غير مهام استعراضية أو بوليسية قمعية، وأستر لنا ولها أن لا تتورط في حرب حديثة فتفضحنا. ولذلك أخطأ من استغاث بها لإنجاد غزة. فلم الإبقاء عليها إذن؟

ب- لا للاستسلام: الحقيقة أن وضعية الاختلال بين أمتنا وأعدائها ليست ظاهرة جديدة وإن كانت قد تفاقمت، بل إن معارك أمتنا الكبرى التي ابتدأ بها مسار تاريخنا وأسست لأمجاد الإسلام من بدر إلى الأحزاب إلى القادسية والنهروان.. وحتى معارك الاستقلال.. ومعركة تموز 2006 وأحدثها معركة غزة.. كلها اتسمت بالاختلال في العدد والعدة لصالح أعدائنا، وجاء النصر فيها بعد فضل الله ورضوانه، بتعديل لميزان القوة عبر تبني إستراتيجية دفاعية أخرى تنهل من ثقافة مغايرة لثقافة العدو. يمكن تلخيصها في ضوء تلك المعارك وآخرها معركة غزة فيما يلي:

أولا: الحرب الشعبية حيث يتوزع السلاح بين المواطنين -كما هو حاصل في سويسرا- بديلا عن الجيوش النظامية، حيث تحتكر الدولة امتلاك السلاح واستعماله.

والغريب أن الدولة العظمى في العالم يفرض دستورها حق المواطن في امتلاك السلاح، وهي أكثر دولة أمنا من التهديد الخارجي، في حين يحظر السلاح على المواطنين في بلاد تعيش في مرمى أشرس عدو وأفدح سلاح.

وفي فلسطين كما في البوسنة كما في كل بلد من بلادنا مهدد، يكون القرار الدولي عند تدخله، هو تجريد مواطنينا من السلاح، مقابل تزويد العدو بأفدح الأسلحة، حتى نذبح كالنعاج، كما فعل بفلسطينيي 1948وأهل سربرنيتشا.

أوليس عجبا أن يتولى النظام الدولي تسليح مائة وخمسين ألفا من القوى النظامية التابعة شكليا لسلطة رام الله، بينما يتجند حلف شمال الأطلسي ومعه أركان النظام العربي لمحاصرة غزة وتجريدها مما يمتلك شعبها المقاوم من أسلحة بسيطة، ومراودتهم بصفقة الغذاء مقابل الاستسلام، في حين أنه لا أحد يتحدث عما يمتلكه الكيان، الثكنة المحشوة بكل ما جادت به حداثة الدمار الغربي؟

ثانيا: التوفر على ثقافة وإرادة المقاومة حتى الموت بديلا عن الاستسلام لثقافة ميزان القوة، ورغم أنه لكل أمة ثقافتها الخاصة بالمقاومة فإن أمة الإسلام تتوفر على أعظم ثقافة للصمود والفداء بما يجعل حربنا ما دامت دفاعا عن الحق وليست عدوانا على أحد حربا عادلة أي جهادا في سبيل الله، وهو سنام الإسلام وتاجه، والإسهام فيه بالمال بالكلمة بالنفس.. فريضة على كل مسلم إذا هوجمت دار الإسلام.

والموت في ساحته شهادة هي أعلى وسام يعلق على صدر مسلم، وأسمى ما يتمنى الإنسان لنفسه ولولده، والأم لابنها، ومفخرة لأهله في الدنيا وشفيع لهم يوم القيامة، حيث يتبوأ ظلال عرش الرحمن ويكون جارا للنبي عليه السلام.

ولذلك لا عجب أن ترى الأمهات الثكالى في غزة شاكرات مستبشرات بفضل الله عليهن، فهل من عجب بعد ذلك أن يصمد أهل غزة في وجه ما حاق بهم من دمار وزلازل عظمى؟ وهل من عجب في المقابل أن تتركز إستراتيجية الغرب وأتباعه بعد تجريد شعوبنا من السلاح، في تجريدها من ثقافة المقاومة عن طريق العبث ببرامج التعليم والإعلام وتنقيتها من كل ما له مساس بالجهاد والاستشهاد، مقابل إشاعة ثقافة الفراغ والتحلل وستار أكاديمي..

حتى في أيام الرصاص المصهور الذي كان يصب صبا على أهل غزة تواصل الإعلام الهابط في تونس وأمثالها، وتصاعد "جهاد" البوليس في قمع غضب الشعب.

ثالثا: مجتمع المقاومة مجتمع الحرية والعدل: إنها لحكمة بالغة في المأثور العربي تلك التي نطق بها الفارس الفحل عنترة بن شداد عندما غزيت قبيلته، وهو لا يحرك ساكنا.

"
أدرك أعداء الإسلام خطر الفراغ في فلسطين الذي تخلقت في رحمه الانتفاضة وتطورت إلى مقاومة، فاستحدثوا سلطة أوسلو، للإجهاز على المقاومة والتستر على الاحتلال
"
فلما انتدبه والده للقتال، أجابه على الفور شاكيا قيد العبودية في معصمه "إن العبد لا يحسن الكر والفر" فأدرك الوالد قوة حجته وما يشكوه، فقال له "كرّ وأنت حر" فانتفض كالأسد -مثل شعب غزة بعد خلاصه من قيد الأمن الوقائي- ورد الأعداء على أعقابهم، فبقيت الكلمة مثلا، وهي تشير إلى سنة ثابتة، أن الشعوب المستعبدة للطغيان ليست مؤهلة للمروءات والبطولات والإبداعات في أي مجال، بل للهزائم والنفاق ومذمومات الأخلاق.

إن مجتمعا لا يتمتع فيه المواطن بحق الكرامة والحرية ليس مستحقا للذود عن حياضه، بل قد يكون بمكان الباحث عن سبيل للخلاص منه وطعنه من الخلف انتقاما لكرامته، كما فعلت بعض المعارضات.

وذلك مقابل ما كان يتمتع به جندي الفتح الإسلامي من إحساس عال بالكرامة، حتى كان يقف في حضرة قائد الإمبراطورية الفارسية شارحا أهداف الجهاد، "جئنا لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة". في حين كانت جحافل جند فارس توثق بالسلاسل لمنعها من الفرار.

وهل يشك أحد اليوم في أن الجندي في جيوش الأعداء يتمتع بقدر من الكرامة يفتقد الجندي في جيوشنا أقل القليل منه؟ فهل من عدالة الله أن تنتصر مثل هذه الجيوش الراسفة وشعوبها في الأصفاد؟

وهل من عجب في أن نبتة المقاومة التي أخذت تستعيد للأمة كرامة فقدتها على يد الجيوش، إنما ظهرت في مجتمعات عربية وإسلامية ذات سمة مشتركة محددة ألا وهي غياب سلطة مركزية مسيطرة مثل أفغانستان والصومال ولبنان وفلسطين؟

ولقد أدرك أعداء الإسلام خطر هذا الفراغ في فلسطين الذي تخلقت في رحمه الانتفاضة وتطورت إلى مقاومة، فاستحدثوا سلطة أوسلو، فكان سداها أجهزة أمنية دربت وسلحت على يدهم، وكسيت بكساء مدني. والهدف واضح هو الإجهاز على المقاومة والتستر على الاحتلال "احتلال لوكس". ولولا ما سمي بالحسم ما كانت مقاومة ولا نصر في غزة.

كيف يرتفع لك بناء إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟ أنى للمقاومة أن تنمو وتتطور وتتجهز ماديا ومعنويا في ظل سلطة قامعة معادية لها؟ نصر غزة هو ابن الحسم.

نصر غزة هو الثمرة لما وفره الحسم من تمحض "سلطة" في خدمة المقاومة، هي في الحق قيادة مقاومة، في مجتمع مقاوم، تنعدم فيه الفواصل بين مقاوم بالسلاح ومقاوم بالخدمة المدنية، قيادة تعيش مع شعبها في مخيماته وتصلي في مساجده وتؤمه في صلواته بما يحرك مخياله الجمعي مستحضرا نموذج القيادة النبوية والراشدية.

إنه مجتمع الحرية مجتمع المقاومة مجتمع العدل. وحذار من أن تحيف نشوة النصر على أصل العدل والحرية، فيبدأ السير صوب أوسلو بدل السير صوب القدس.

رابعا: تطوير صناعة حربية للمقاومة: إن تجارب المقاومة في لبنان وفلسطين قد أثبتت جدواها في صناعة ميزان قوة، بما استرد للأمة كرامة مرغتها في التراب جيوش وأجهزة قمع.

وما كان لها أن تحقق ذلك لولا تعزيزها لما توفرت عليه من إرادة وعقيدة المقاومة وقوة التنظيم والضبط، تعزيز ذلك بنجاحها بعد سعيها الدؤوب والمستمر في الحصول على أسلحة بسيطة ولكنها فاعلة، مزيج من التهريب والتطوير، مستفيدة مما لديها من كفاءات علمية هندسية متفوقة، صنعت رغم بساطتها ميزان قوة رعب مع العدو فشلت في الوصول إليه جيوش العرب مجتمعة.

فماذا بقي لتلك الجيوش العالة من دور، وهي عاجزة عن تقديم الحماية لعواصمنا ومدننا بمثل ما فعلت المقاومة في غزة فأعلت أسوارها وعززت منعتها في مواجهة أعتى جيش في الشرق الأوسط؟ ولم لا يعاد بناؤها وفق إستراتيجية المقاومة؟ وذلك يفترض تغييرا جذريا لأنماط مجتمعاتنا، وهو -من دون وعي بمكر الله سبحانه- ما تدفع إليه الإستراتيجية الغربية العشواء، في حربها على الإسلام والإسلاميين والديمقراطية، مسوقة بجنون، لدعم غرور إسرائيلي مهلك. "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".




_______________

مفكر تونسي


المصدر: الجزيرة

Friday, January 16, 2009

العرب لن يحاربوا إلا بأمر مباشر من أمريكا

هذه خاطرة من وحي القمم العجيبة للعرب
من أجل محرقة غزة

دعوني افكر معكم بأسلوب علمي
الحل الفعال و الأكيد لوقف وردع هذه المجزرة
هو الدبابة مقابل الدبابة
و الطائرة مقابل الطائرة

اي الحرب مقابل الحرب

اي ان يدخل العرب الحرب مع اسرائيل
وهذا حلم غير قابل للتحقيق في هذا الوقت لأسباب ذاتية بالأساس

العرب لا يملكون قرار الحرب كل العرب بكل قادتهم العسكريين و الملوك
ولن يدخل عرب هذه الأيام اي حرب إلا بأمر مباشر من أمريكا

لسبب واضح جدا
أن البنية التحتية العسكرية لكافة الدول العربية الآن
ليست الا مخازن اسلحة للسلاح الأمريكي

ليس هناك بنية صناعية عسكرية حقيقة مستقلة
وليس هناك اي خطط علي المدي القريب او البعيد بناء هذه البنية

لذلك قرار الحرب الحقيقي للجيوش العربية كافة
لايملكها الزعماء العرب أنفسهم أو حتي قادة وأركان حرب هذه الجيوش
لن يحارب هؤلاء إلا بأمر مباشر من صانع السلاح الأمريكي


لذلك فالتقييم الحقيقي للدولة الحديثة العربية

انها شبه دولة
او بالأحري شبه ولاية أمريكية
لأنها لاتملك حقيقة الحفاظ علي بيضتها
إلا بالخضوع و الطاعة لصانع السلاح الأمريكي
حتي لو تطلب ذلك جميع اشكال الخضوع و التواطؤ و الفساد


فأعتقد أن الطريق للحل
يبدأ بأن تعي الشعوب العربية
انها تعيش في اشباه دول
وأن تسعي بكل الجهد لبناء دولة حديثة محترمة
وليست اشباه دول
يجب أن يتحول هذا الهدف الي ثقافة سهلة مبسطة
حتي تتحرك اليه الشعوب
و يستوعبه حكام العرب

فلا ضمانه لأستمرار اي حكم حقيقي
إلا ببناء دولة متكاملة يلتحم فيها الحاكم مع الشعب

ولتكن تطبيقا عمليا لقول الله تعالي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

فشرط الطاعة لأولي الأمر هنا أن يكون ولي الأمر من الشعب
وليس عليهم
معني منكم
أن يكون الشعب قادر علي محاسبة حكامة و عقاب وخلع الفاسد منهم
معني منكم
أن يكون الشعب متحكما في مقدرات وثروات وطنه
معني منكم
أن تكون الذمة المالية للحكام معروفة وواضحة كأسعار الأسهم في البورصات
هذا هو معني منكم

وهذا بالضبت من اهم دعائم بناء الدولة الحديثة المتكاملة
والواقع مفتوح لتحليل دول حديثة متكاملة حتي ولو لم تكن مسلمة مثل فرنسا و المانيا وحتي امريكا نفسها

كل هذه الدول
لها قاعدة صناعية عسكرية تستوعب العلماء من ابناء البلد و لا تتركهم يهاجروا ليعملوا لصالح صناعة عسكرية لدولة اخري
شعوبها قادرة علي محاسبة السلطة التنفيذية مهما كانت شكلها
شعوبها تعرف الذمم المالية لحكامها كما تعرف اسعار البورصة في الأسهم بل يعرفون الذمم المالية لأبناء و أقارب أقارب حكامهم


Saturday, November 1, 2008

"الأزمة المالية الأمريكية العالمية، مصيبة أم جريمة؟"..دراسة للدكتور صلاح عبد الكريم

قصة امبراطورية التمويل والديون

"الأزمة المالية الأمريكية العالمية، مصيبة أم جريمة؟"..دراسة للدكتور صلاح عبد الكريم



حزب الوسط الجديد- السبت 01 نوفمبر 2008
مقدمة لكي نفهم أبعاد هذه الأزمة، وما إذا كانت كما يقول كثيرون من الخبراء، أرهاصة انهيار وشيك للنظام المالي والاقتصادي العالمي، أو علي الأقل نهاية للريادة الأمريكية المالية والاقتصادية علي العالم، فإنه يتعين علينا أن ننظر إلى الأسس والقيم التي بني عليها هذا النظام ، لنحكم بأنفسنا علي حقيقة هذه الأزمة وكيفية الخروج منها لصالحنا ولصالح البشرية. ومنذ حدوث الأزمة، بل وحتى قبل ظهور إرهاصاتها، تحدث كثيرٌ من خبراء الاقتصاد عنها، شارحين ومحذرين ومقترحين للحلول. لكن الغالب على أحاديثهم ودراساتهم وحلولهم كان النظر إلى الأزمة من داخل سياق علوم الاقتصاد الغربية، مهتدين بالاصول النظرية للفكر الاقتصادي الغربي. وهم لهذا السبب (من وجهة نظري) لا يسهمون في إيجاد حلولٍ حقيقية لهذه الأزمة ، ولا في إخراج الناس من حيرتهم. وإذا فكر الجميع من داخل القفص الحديدي الذي تجد البشرية نفسها فيه رهينة هذا النظام المالي الاقتصادي الذي وضعته الحضارة المادية الغربية، فليس هناك مخرج لا من هذه الأزمة ولا من القفص الحديدي. ونحن لهذا، عند تناولنا لهذه الأزمة، ننطلق بالضرورة من منطلقات مختلفة؛ لأننا لو انطلقنا من نفس المنطلقات، فستصيبنا الحيرة التي أصابت الجميع. أولاً: الهيمنة الأمريكية من خلال التمويل والديون نظامٌ نقدي يقوم على الديون! في النظام النقدي الحديث الذي تفتقت عنه قريحة الحضارة المادية، لا يتم خلق النقود إلا إذا اقترضها أحدهم. نحن جميعاً نتعامل بنقود محملة بديون تدفع عنها فوائد، والنقود الحديثة تنتقل إلي حيز الوجود حال اقتراضها. ويعود أصل رأسُ المال الذي يسعى لتوليد المزيد من نفسه دون أن يقدم أية سلعةٍ حياتيةٍ أو خدميةٍ إلى الربا. ولكن لم يحدث في التاريخ البشري من قبل أن كان هذا الشكل هو النمط المسيطر على تنظيم الحياة الاجتماعية. لقد حدث هذا عندما أصبح المال يدور في دوائرَ مغلقةٍ بين استثمار المال وتوليد الأرباح بحيث أصبح في كل مرحلة من نموه يرتبط بهدفٍ واحد، هو مضاعفة نفسه. ولم يعد هناك الآن أي التزام لرأس المال تجاه أي نظامٍ اجتماعيٍ على وجه الارض. فالأموال تتحرك بحرية وتتزايد وتدخل إلى البلدان كلها وتخرج منها، ليس بغرض دعم الحياة الاجتماعية في الدول المضيفة، بل على النقيض. وحتى الموارد وأشكال الحماية القانونية والسياسية يتم توجيهها لزيادة انتشار هذا السرطان الرأسمالي. العجيب هنا هو أن الجميع مدينون وبلا استثناء بما فيهم الأغنياء، سواءٌ أكانوا رجال أعمالٍ أم شركاتٍ كبرى أم حكومات دولٍ كبرى وعظمى، بل إن الدولة العظمى الوحيدة هي أيضاً في نفس الوقت الدولة المدينة العظمى! لقد استعصى على فهمي أن الجميع مدينون، وبلا استثناء، الجميع! من هو الدائن إذن لكل سكان الكرة الأرضية؟ والحكمة الريفية التي تعلمناها من أجدادنا ويعرفها الجميع هى أن الدين ذل. من هنا يذل من؟ إن كل دول العالم، وكل المؤسسات الصناعية الكبرى في العالم تقريبًا ، ومعظم سكان الدول الصناعية مدينين إلى الجهات التي تصدر النقود، أي البنوك المركزية والبنوك الخاصة والبنوك التجارية... إلخ. إن نظام البنوك الحالي يخلق سلسلة لا تنتهي من الديون والقروض. إننا نعيش في عصر النقودِ المحملة بالديون. وكل المحتوى النقدي سوف يتلاشى إذا حدث أن تم سداد جميع الديون والقروض البنكية. وهذا الأمر يتم إخفاءه عن الجميع! لقد كان من الطبيعي أن تكون آلية إيجاد النقود على رأس الموضوعات الأساسية في مناهج المال والاقتصاد الجامعية، وذلك لأهميتها الشديدة في فهم الاقتصاد. ولكن هذا لا يحدث للأسف. راجع بنفسك تلك المناهج لتتأكذ مما أقول. النظام المصرفي العالمي مملوك لأفرادٍ، ويدار بغرض الربح إذا كان كلامي هذا يصيبك بالحيرة، فأصبر، فسوف تزداد حيرتك كما ازدادت حيرتي عندما علمت أن النظام البنكي الغربي كله بما في ذلك البنوك المركزية وعلي رأسها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (وهم الذين يصدرون العملات النقدية ويحددون معدل الفائدة علي القروض) كلها مملوكة ملكية خاصة لأفراد يمثلون منذ نشأة الحضارة الغربية النخب المتنفذة. والنخب المتنفذة هي خليط وتكتل من رجال المال والبنوك والساسة والملوك والأسر الحاكمة وكبار رجال الصناعة وكبار القادة وبعض كبار العلماء. وهي تدير البنوك المركزية والبنوك والمؤسسات المالية كأي مؤسساتٍ تجارية خاصة أخري، بغرض تحقيق الربح. إن النخب تستخدم النقود لتحقيق سيطرتها علي الأمور، فمن خلال إصدار النقود التي يتعامل بها الجميع، وتحديد سعر الفائدة، وتحديد كمية النقود المطروحة للتداول وتغيير متطلبات ما يسمى بالاحتياطي النقدي الجزئي في البنوك (أي نسبة الودائع إلي القروض الممنوحة) ، تتقلب المجتمعات الإنسانية فيما يسمى بالدورات الاقتصادية بين التضخم والكساد. وإذا أوجدت البنوك كمياتٍ كبيرةٍ من هذا النقد المصطنع فسنكون في رخاءٍ وازدهار؛ وإذا لم يحدث هذا، فسوف نفقد القدرة على التعامل والتبادل مع بعضنا البعض ويعم الكساد. وكلما أوجدت البنوك كمياتٍ متزايدة من هذا النقد المحمل بالفائدة، كلما زاد المحتوى النقدي في المجتمع وزاد التضخم وتآكلت القوة الشرائية للنقود، في نوعٍ عجيب من الضرائب العصرية. وعندما يحاول عدد كبير من الناس استخدام ثرواتهم النقدية في نفس الوقت، أو يحاولوا التخلص مما يسمى بالأصول المالية مثل الأسهم والسندات وغيرها. فإن هذه الثروة النقدية تفقد قيمتها والثقة فيها وتنهار، وتختفي ببساطة لأنها لم تكن موجودة في المقام الأول علي الإطلاق. إن نمو هذه الثروة النقدية وتبادلها وهذا التمدد والانكماش في المحتوى النقدي ، في قلب الأسباب التي أدت إلى ما يسمى بالدورة الاقتصادية بين ازدهار وكساد وهو أساس بنية الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي الهشة. بل إن الحملة الأمريكية الجديدة للهيمنة على العالم تُعتبر فرصة كبيرة لمزيد من الإنفاقات (أي الديون) ولمزيدٍ من الأرباح البنكية ولمزيدٍ من تضخم الدولار بالطبع. أي أن جميع مستخدمي الدولار في جميع أنحاء العالم هم في حقيقة الأمر الممولون الحقيقيون للإمبراطورية الأمريكية الجديدة السافرة من خلال الضرائب المفروضة على الدولار عن طريق التضخم. ولكن إلى متى يمكن أن يدوم النظام المالي الحالي لهذه النقود الغريبة؟ إن الاقتصاد الأمريكي العملاق غارقٌ الآن في القروض مثلهُ في ذلك مثلُ بقية العالم. وقطع الدومينو واقفة في وضع الاستعداد لكي تتساقط. وأيُ حدثٍ يقلصُ من المحتوى النقدي أو يقلل من الثقة في الدولار، سوف يكشف العيوب المتأصلة في هذا النظام المبني على القروض. إن صروحاً مالية هائلة تنهار الآن في لمح البصر، أو يتم شراءها بالملاليم بواسطة مؤسساتٍ أخرى الله وحده يعلم عمق مشاكلها. هل هذه نهاية النظام المالي للرأسمالية الصناعية كما يقولون؟ هل هذه نهاية الريادة الاقتصادية العالمية للولايات المتحدة؟ وإذا كان هذا صحيحا، فهل ستنزوي كقوة عظمى بهدوء كما فعل الاتحاد السوفيتي؟ أم أننا على أعتاب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار العالمي يمكن أن تؤدي إلى حروبٍ لا يعلم مداها إلا الله؟ صعود واضمحلال الهيمنة من خلال التمويل ثم القروض وعجز الميزان التجاري خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية بأقوى اقتصاد في العالم، حيث كان انتاجها الصناعي عام 1945 أكثر من ضعف الإنتاج السنوي لدول أوروبا واليابان مجتمعة، ولديها 65% من احتياطي الذهب العالمي. وحلت البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية محل مؤسسات مدينة لندن كمصادر للتمويل العالمي (مثلما حدث في مشروع مارشال لتمويل إعادة بناء أوروبا بعد دمار الحرب العالمية الثانية). وتم فرض السيطرة الاقتصادية الأمريكية على العالم من خلال جعل الدولار هو العملة العالمية التي تستخدم في معظم التبادل التجاري، بحيث يتم تسعير السلع به وجعله عملة الاحتياطي العالمي مع التزام أمريكا بتحويله للذهب بسعرٍ متفقٍ عليه، وفرض احترام هذا النظام بالقوة العسكرية. وكانت الخطة تستلزم إنشاء ما يسمى بمنظمات اتفاقية بريتون وودز وهي صندوق النقد والبنك الدولي (أضيفت لهما فيما بعد اتفاقيات الجات ومنظمة التجارة العالمية) لتكون أدوات الإمبراطورية الأمريكية غير السافرة المرتكزة علي الائتمان والتمويل، لأن مطابع الدولار الذي يحتاجه الجميع لشراء السلع موجودة في أمريكا. اضطرت أمريكا إلى الدخول في حروبٍ اقليمية متعددة للمحافظة على هذه السيطرة أدت إلى عسكرة الاقتصاد الصناعي الأمريكي بالتدريج علي حساب تطوير الاقتصاد الصناعي المدني. وهكذا بدأت السيطرة الاقتصادية الأمريكية في التدهور في النصف الثاني من الخمسينيات، بعد أن تعافت اقتصاديات كثير من دول الحلفاء مثل ألمانيا واليابان، بل وبعض الدول النامية، وأصبحت منتجاتهم تنافس الصناعة الأمريكية في عقر دارها بسبب التجارة الحرة، حتى أصبحت السوق الاستهلاكية الأمريكية لا غنى عنها للجميع. وأصبحت الريادة الأمريكية ومكانة الدولار في خطر، وكان لابد من وضع حدٍ لهذا. وهكذا تم في عام 1971 إلغاء إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب. كما تم زيادة أسعار البترول أربعة أضعاف، واستخدام فوائضه في إقراض الدول النامية المستهلكة له (للوفاء بالزيادة في أسعاره- كنوعٍ من الإتاوة) والإيقاع بها في فخ الديون المتوالدة، مما نتج عنه وأد نموها والتخلص من خطرها. ولم يكن أمام الدول الصناعية ذات الفوائض الدولارية إلا ثلاثة بدائل: إما أن توجد سوقاً بديلة لسوق أمريكا وهذا غير ممكن، أو تـُعرض اقتصادها للانكماش بالتوقف عن التصدير للسوق الأمريكي، أو أن تستثمر فوائضها في أمريكا في صورة سندات الخزانة الأمريكية. أدرك صناع السياسة أنه يمكن لأمريكا أن تحتفظ بازدهارها وريادة الدولار للأسواق المالية بإحداث عجزٍ في الميزان التجاري بينها وبين الدول الصناعية ، وارغامها على تحويل فوائضها إلي سندات الخزانة الأمريكية إن أرادت التصدير للسوق الأمريكي، عن طريق جعلها معتمدة علي الحماية الأمريكية مع التلويح دائماً بنزع درع الحماية النووية. وهكذا، وبعد اضمحلال تفوق الاقتصاد الأمريكي الصناعي التقليدي، تحولت السياسة الأمريكية من كون أمريكا الممول الرئيس للعالم إلي كونها المدينة الأكبر في العالم. وحلت المؤسسات المالية الأمريكية في نيويورك (المتعاملة في السندات الأمريكية وغيرها من أدوات استثمار الفوائض التجارية للدول الأخرى في الأسواق المالية الأمريكية) بالتدريج محل المراكز الصناعية الأمريكية الكبرى كأكبر نشاط اقتصادي أمريكي. كان هذا يعني في الواقع إصدار المزيد من الدولارات لتغطية العجز التجاري والنفقات الأمريكية بدون زيادة في الإنتاج الأمريكي. وكان يعني أيضاً حدوث التضخم وتهاوي قيمة الدولار. ولأن أمريكا هي القوة الوحيدة، اضطر العالم إلي الاستمرار في قبول الدولار المتضخم ذو القيمة المتهاوية كأداة للمقايضة علي السلع ودفع قيمتها، واستمر الجميع في السعي للحصول علي الدولارات. واستمر الأمر علي هذا الحال حتى عام 1979 عندما بدأت ألمانيا واليابان وحتى السعودية في التخلص من سندات الخزانة الأمريكية لتدني ثقتهم فيها ولانخفاض عائدها. واضطر محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي لمضاعفة الفائدة في أكتوبر 1979 ثلاثة أضعاف (إلى حوالى 21%) لإغراء الدول للاحتفاظ بسندات الخزانة. وكان الهدف هو إنقاذ الدولار كعملة للاحتياطي العالمي من الانهيار مهما كان الثمن. وأدي هذا إلي ارتفاع قيمة الدولار أمام كل العملات الرئيسة الأخرى، وإلى جعل المنتجات الأمريكية باهظة الأسعار في الأسواق العالمية وتسبب في تدهور الصادرات الأمريكية وإلي ركود حركة بناء العقارات وانهيار صناعة السيارات والصلب، ودفع الصناعة الأمريكية إلي الانتقال خارج أمريكا بحثاً عن تكلفة أقل للتمويل والأصول والعمالة. لقد تم إنقاذ الدولار على حساب الاقتصاد الأمريكي. وأصبحت أمريكا ترغم الجميع علي استثمار فوائضهم التجارية فيها بمعدل يقترب حالياً من 2 بليون دولار يومياً. وطالما أن هناك عجزاً في الموازنة الأمريكية، فهناك أذون خزانة للجميع. تنشيط الاقتصاد الأمريكي المتدهور عن طريق الفقاعات الاستهلاكية كان هذا يعني أيضاً استمرار تدهور الاقتصاد الأمريكي المحلي والصناعة الأمريكية ، واستمرار انتقالها إلى حيث التكلفة الأقل. وتحولت مراكز التسوق إلى قاطرة الاقتصاد بدلاً من المراكز الصناعية. وحيث أن هذا التدهور، بالإضافة إلى التضخم وتهاوي القوة الشرائية للدولار، كان يضعف مجتمع الاستهلاك الأمريكي وقدرته الفعلية على الاستهلاك، فقد كان من الضروري دفع الاستهلاك ولو بوسائل مصطنعة. وهكذا، كان يتم خلق الفقاعات الاستهلاكية وفقاعات الثروة المصطنعة؛ لامتصاص السيولة الزائدة في المجتمع جراء التضخم وزيادة المحتوى النقدي في الاقتصاد من ناحية، وللمحافظة على دوران الاقتصاد الأمريكي المحلي من ناحية أخرى، وللإبقاء على آلية إحداث العجز في الميزان التجاري الفيدرالي الذي يحفظ الريادة العالمية للدولار والسيطرة العالمية من ناحية ثالثة. ومع زيادة الأسهم والسندات الأمريكية في أيدي الجميع، زادت أنشطة تداولها، ونشطت الأسواق المالية الأمريكية في المضاربات فيها بكل أنواع المضاربات. لقد كان من الأعمال المكملة لإستراتيجية إدامة الهيمنة الأمريكية، أن يتم تنشيط المؤسسات المالية الأمريكية ودعمها وحمايتها وفتح الطريق أمامها، للاشتباك في معاملاتٍ ومضارباتٍ مالية تحاول بها ضرب المنافسين، واستعادة ما يمكن من الفوائض الدولارية من أيدي الآخرين، وابتكار الأدوات المالية التي تمكنها من ذلك. وهكذا تحول الاقتصاد الأمريكي بالتدريج إلي هرم من السندات والمضاربات. وكانت أنواع السندات والمضاربات دائمة التطور، ولكنها كانت دائما بمعزل عن أي نشاط إنتاجي في الاقتصاد الحقيقي بصورة متزايدة. ظهرت منذ منتصف السبعينيات أدوات مالية جديدة للمضاربة والمراهنة على قيم الأسهم والسندات والعقود والعملات. وشهدنا رفعًا للضوابط المالية والقوانين المنظمة وأجهزة المراقبة، وتطورات كبيرة في الاتصالات والحاسبات الآلية ساهمت كلها في خلق نظام مالي دولي شديد التداخل. وزادت معدلات تلك المراهنات حتى أصبحت الآن تقدر بحوالي 590 تريليون دولار أمريكي (وهو يساوي عشرة أضعاف الاقتصاد العالمي كله) مما ساهم في تعقيد وعدم استقرار النظام المالي الدولي. ومع تطور الحواسب الآلي ، تم وضع البرامج والمعادلات الرياضية المعقدة التي تضع في حسابها كل المتغيرات، ويستطيع الحاسب الآلي عن طريقها تحديد وتنفيذ عمليات البيع والمضاربة بصورة لحظية لتحقيق أقصى ربح. بل واعتقدوا أنهم نجحوا عن طريق برامجهم في خلق شفاط آليٍ هائل يكنس الأرباح من كل الأسواق المالية في العالم. مثلما حدث مع شركة (Long Term Capital Management-LTCM) لقد أصبحت تلك المضاربات من التعقيد بحيث قيل عنها أنها تعتبر من أسلحة الدمار المالي الشامل. وهذا الوضع جعل الاقتصاد الأمريكي اقتصاداً استهلاكياً يعتمد علي الواردات من الدول الأخري حتى بلغ العجز في الميزان التجاري الأمريكي عام 2007 أكثر من 700 بليون دولار. وزاد الكساد الذي تعانيه أمريكا. وتقلصت العمالة الصناعية بسبب التجارة الحرة وانتقال المصانع إلي الخارج. ولجأت الأسر إلي الاقتراض لتوفير ضروريات الحياة. ومع ثبات الرواتب منذ عام 2000 فإن المصدر الوحيد للأموال التي تم ضخها في الاقتصاد الاستهلاكي في هذه الفترة كان من أرباح التضخم في أسعار العقارات، ذلك السوق الذي يتهاوي حالياً. آلية استعادة الفوائض الدولارية من الآخرين حاولت تلك المؤسسات المالية الأمريكية الكبرى عن طريق المضاربة فيما بينها في أسعار عقود البيع المستقبلية للبترول والمعادن والغذاء (التي تضاعفت فجأة بدون زيادة طفرية في الاستهلاك، أو نقصٍ كبير في الانتاج)، استعادة الفوائض الدولارية من أيدي الآخرين حماية للدولار المتدهور من الانهيار كعملة الاحتياطي العالمي (بعض الخبراء يقدرون أن حوالي من 60% إلي 70% من الزيادة التي حدثت في أسعار البترول حدثت نتيجة لهذه المضاربات)، مما أدى أيضاً إلى تفاقم أزمة الاقتصاد الأمريكي. فمع ارتفاع تكلفة البترول والمعادن والمنتجات الزراعية، كان المتبقي في أيدي الناس للإنفاق علي بقية مستلزمات الحياة والخدمات يقل باستمرار. وحيث أن هناك أشياءً لا يمكن إلغاءُها مثل الرعاية الصحية والتعليم، فلابد أن يؤدي هذا إلي التعثر في سداد كل الأقساط. وأصبح لدي الدول الأخرى ما يقترب من 9 تريليون دولار في صورة ديون علي الحكومة الأمريكية تتطلب فائدة سنوية تزيد عن 50 بليون دولار ناهيك عن سدادها. وأصبحت أمريكا تعيش علي الاقتراض من الجميع، وكأن الجميع يعملون عندها مجاناً، وليس أمامهم إلا الاستمرار في شراء أذون الخزانة والحصول علي المزيد منها كفائدة سنوية، وتجديد المنتهي منها بأذون جديدة، لأن المقابل هو انهيار صادراتها أو ارتفاع قيمة عملتها أمام الدولار، وهو ما يعني أيضاً انهيار صادراتها وحدوث انكماش اقتصادي بها. أي أن بلاداً فقيرة مثل إندونيسيا تصدر رأس المال إلي أمريكا بدلاً من العكس! والخزانة الأمريكية وبنك الاحتياطي الفيدرالي يدركون اضطرار العالم لشراء أذون الخزانة الأمريكية لمنع النظام النقدي العالمي من الانهيار. كما تم أيضاً تطبيق حزمة من الإجراءات بهدف استعادة الفوائض الدولارية منها خفض قيمة الدولار بنسبة حوالي 40% على مدى عامين، وخفض الفائدة على أذون الخزانة الأمريكية حتى وصلت إلى 0.16%. كما وصل الدين الداخلي العام والخاص في أمريكا إلي أكثر من 40 تريليون دولار بعد أن كان 7 تريليون فقط عام 1985 حتى أنه ينمو بمعدل أكبر من إجمالي نمو الناتج القومي الأمريكي. وفي القلب من هذا الدين، الديون الخاصة بالمستهلكين (حيث بلغت الديون الشخصية لكل رجل وأمرأة وطفل في أمريكا 37.5 ألف دولار في المتوسط تدفع عنها فوائد) والديون الخاصة بالرهن العقاري. ثانياً: فقاعة الرهون العقارية والأزمة المالية الحالية كان الاقتصاد الأمريكي في 2000-2001 يبدو كما لو كان ينمو أخيرًا عقب ركودٍ شديد، وعقب انهيار قدره 60% في البورصة. فبعد انتهاء مهمة فقاعة (dot.com) وتخليص الشعب الأمريكي من فائض السيولة المتوفرة لديه، وبداية من يناير 2001 قام جرينسبان بإجراء 12 تخفيض متتالي في سعر الفائدة حتى وصلت من 6% إلي 1% في يونيو 2003، كما تم إطلاق شركات الرهن العقاري التي استهدفت أساساً قطاع الفقراء والمهاجرين والمناطق الملونة لخلق فقاعة الرهون العقارية. وآلية خفض نسبة الفائدة على القروض هي الآلية المتبعة دائما لخلق الفقاعات الاستهلاكية. ومع إقبال الناس على شراء المنازل، ارتفعت أسعارها. وشعر الجميع أنهم عثروا على كنز. وانطلق الجميع في الاستهلاك تحت شعاراتٍ مثل"هيا بنا نتسوق" أو "تسوق حتى تسقط من الإعياء" (Shop until you drop) ، بحيث أصبح 76% من إجمالي الناتج القومي الأمريكي يتم في صورة إنفاقات استهلاكية، ومعظمه مرتبطٌ بانتعاش السوق العقاري. لقد تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي من إغراء الأسر الأمريكية لكي تستدين بمعدلاتٍ قياسيةٍ بخفض سعر الفائدة، وبالتلويح بحلم امتلاك منزل. وعندما تشتري الأسر المنازل فإنها تحتاج إلى كثير من السلع الأخرى (مما ينمي الاقتصاد) تحصل عليها بمزيدٍ من القروض بضمان منازلهم. تكتلٌ عصابي متكامل يصنع فقاعة الرهن العقاري تحول سوق الائتمان الأمريكي بعد إلغاء الرقابة الحكومية إلى شبكة مترابطة وهائلة من التكتلات. وتم هذا بالدعم الكامل من جرينسبان وتواطؤ كل أجهزة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولكي يتم حبك اللعبة، استلزم هذا تواطؤ أكبر شركات التقييم المالي في العالم (مودي وستاندرد أند بورز). التي كانت تعطي تقييماً مرتفعاً لتلك السندات، وكذا شركات تأمين (11 شركة أسست خصيصاً برؤوس أموال متواضعة) لإصدار وثائق تأمين (بما قيمته 2.4 تريليون دولار) على سنداتٍ يعلمون أنها ليست مضمونة التحصيل، كخطوة لازمة لحبك اللعبة. وكان تطور الفقاعة كما يلي: o قامت البنوك بإقراض شركات الرهن العقاري التابعة التي قامت بدورها بعمل القروض للعامة والرهون العقارية الضامنة، ثم قامت بتكوين حزم (محافظ) من تلك القروض، واصدار سنداتٍ ومراهناتٍ بضمان تلك الديون وتدفقاتها، وبيعها بالجملة والقطاعي للجميع والحصول علي رسوم وأرباح في كل خطوة، ثم قام الجميع بالمراهنة والمضاربة عليها في عملياتٍ محشوة بالمعادلات الآلية وأعمال الحاسبات. o وفي حماية التقييم المرتفع والتأمين الوهمي، تم توريق كل شيء من الأصول المرهونة إلي ديون القروض والعقارات المؤجرة والقروض العقارية السكنية وقروض الطلبة وديون بطاقات الإئتمان، بل تم توريق ديون الدول النامية. وكان يتم تجميع هذه الأوراق المالية في حزم وبيعها في أسواق العالم. o ولأن عملية التوريق هذه كانت معقدة جداً وتتم حسب معادلات يضعها علماء الرياضيات المتخصصون، فلم يكن هناك أحد يدرك تماماً كنه عملية توزيع المخاطر، أو يدرك قيمة الضمان الموجود في قلب هذه الغابة المتشابكة من المراهنات، ومن هو المنتفع قانوناً من هذا الضمان. o كانت السندات بحاجة إلي بعض الحيل ليتم تداولها على أنها سنداتٌ ممتازة، وهي إصدار تقييم ممتاز لها، وتغطية مخاطرها بوثيقة تأمين. وهكذا تم إحكام الخدعة. وتم تكوين تشكيل عصابي كامل من البنوك والمؤسسات المالية وشياطين السماسرة (بعمولات مغرية) وشركات الرهن العقاري الصغيرة، للإيقاع بأكبر عددٍ ممكن من البسطاء ، مثل كبار السن والأقليات وأصحاب الدخول المنخفضة، وتوريطهم في فخ قروض مصممة بطريقة ليست لهم قدرة علي فهمها أو سدادها بضمان منازلهم التي يعيشون فيها، وباستخدام كل أنواع حيل الكذب والخداع فيما يطلقون عليه الآن "قروض الكاذبين". ورغم هذا كانت مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك تضمنان تلك القروض العقارية! بل إن بعض الذين حصلوا علي قروض لشراء المنازل كانوا يعرفون جيداً أنهم لن يستطيعوا دفع أقساطها، وكانوا يعطون بياناتٍ شخصية ملفقة عن قدرتهم علي السداد! ربما لأنهم كانوا يظنون أنهم يمكنهم بطريقة ما الاستيلاء علي هذه المنازل! o كانت نسب الفائدة على القروض العقارية "تحت الممتازة" تبدأ بـ 2% لفترة قصيرة ثم ترتفع لتصل إلي ما يقرب من 40%. o كما أصدرت البنوك قروضاً ضخمة للمضاربات على الأسهم والسندات بنسب تغطية متدنية تصل إلي 2% علي أساس أنها سوف تورق هذه المخاطر الجمة على أي حال وتبيعها لمؤسسات الاستثمار في الأسواق المالية. o بل إن البنوك والمؤسسات المالية استخدمت هذه الرهون العقارية وسندات الأقساط للحصول علي قروض هائلة بنسب تغطية بسيطة استخدمتها في شراء الشركات وغيرها. o زادت أسعار المنازل بنسبة 124% بين أعوام 1997-2006، واستخدم بعض ملاك المنازل هذه الزيادة للحصول علي قروض جديدة لاستخدامها في شراء السلع الاستهلاكية، بحيث زادت الديون الشخصية بنسبة 130% خلال عام 2007 فقط مقابل زيادة قدرها 100% في العقد الذي سبق 2007 بأكمله. كانت القروض تبدأ بأقساطٍ منخفضة بأسعار فائدة متغيرة (ترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة) وتبدأ الأقساط منخفضة لمدة ثلاث سنوات (تذهب كلها خلالها لسداد الفوائد ولا تذهب إلى ملكية جزءٍ من المنزل). وإذا تأخر المقترض عن دفع أي دفعة تتضاعف أسعار الفائدة بنحو ثلاث مرات. كان المستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات مضمونة بعقارات يمكن الحجز عليها وبيعها إذا توقف السداد، ويحصلون على عوائد من المدفوعات الشهرية. ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا تلك السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل قروضٍ جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات. أي استخدموا قروضاً للحصول على مزيد من القروض! وتساهلت البنوك لدرجة أنه كان يمكن اقتراض ما يساوي 30 ضعف قيمة الرهن. باختصار، اعتقد المالك أن المنزل بيته، وظن البنك أن المنزل ملكه أيضاً. واعتقد المستثمرون أن المنزل نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات. وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض يعتقد أن هناك منزلاً في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، رغم أن القروض التي أصدروها تبلغ نحو 30 ضعف قيمة المنزل. ومع ارتفاع أسعار المنازل ، كان يمكن الحصول على قرض جديد مقابل رهن جزءٍ من المنزل، لشراء المزيد من السلع، مثل دفع مقدم سيارة جديدة مثلا، وقام بنكٌ بتمويل الباقي. وبتحويل الدين الجديد إلى سندات وبيعها إلى بنك استثماري آخر احتفظ بجزء منها، وقام بدوره ببيع الباقي إلى صناديق تحوط وصناديق سيادية في أنحاء العالم كله. كان مالك السيارة يعتقد أنه يمتلك السيارة، واعتقد البنك الأول أنه يمتلك السيارة، واعتقد البنك الثاني أنه يمتلك السيارة، واعتقد المستثمرون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تضمنها. المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة المنزل ، ولك أن تتصور ما يمكن أن يحدث عندما تنخفض قيمة المنزل ، ويفقد المقترض الأصلي عمله. واستمر هذا النشاط حتى آخر يونيو 2004 عندما بدأ جرينسبان في رفع الفائدة مرة أخرى في 14 زيادة متتالية وصلت بها إلي 4.5% علي مدي 19 شهر (فيما يبدو وكأنه تفجيرٌ متعمد للفقاعة العقارية) مما أدى إلي بدء انهيار فقاعة الرهن العقاري قبل أن يترك منصبه. كما بدأت أسعار العقار في الانخفاض! الأزمة والانهيار حدثت بداية الأزمة عام 2007 عندما رفع البنك الألماني دعوى أمام المحكمة الفيدرالية في كليفلاند-أوهايو يطلب تمكينه من الحجز علي 14 منزل توقف أصحابها عن سداد أقساط ديونهم، وهو مبلغ تافه جداً بالنسبة للبنك الألماني الذي تبلغ أصوله العالمية 1.1 تريليون يورو. وقد طلب القاضي من البنك الأوراق القانونية التي تثبت حقه في إجراء هذا الحجز، ولم يكن لدى البنك هذه المستندات. ولم تكن حجته إلا أن البنوك تفعل هذا منذ سنوات بلا أي مشاكل. ومما زاد الطين بلة أنه عندما كان أصحاب المنازل يقومون برهنها للبنوك ضماناً للقروض وللأقساط، لم يكن يتم تسجيل الرهون لصالح المؤسسة المقرضة لأنها كانت تنوي توريق وثائق الرهون وبيعها في سوق المال حيث يتم تداولها بين عشرات المؤسسات المالية. وعليه، تم تفادي عمليات التسجيل المعقدة والطويلة والمكلفة. ولكن هذا الأمر جعل وثائق الرهن غير قانونية لأنه لم يُنص فيها على المستفيد من الرهن. وكان يتم تجميع تلك الوثائق معاً في حزم جرى تقسيمها بنسب مختلفة حسب معادلات معقدة، وبيع تلك الأجزاء إلي المؤسسات المالية المختلفة التي باعتها بدورها إلي آلاف المستثمرين. وأصبحت كل وثيقة رهن يمتلكها عدد كبير من المؤسسات ليست بينها أي علاقات. ولم يعد هناك مالكٌ وحيد لأي وثيقة يستطيع ادعاء أن الرهن لصالحه قانونا. وثالثة الأثافي، أن كثيراً من مؤسسات الرهن الصغيرة التي قامت بعمل هذه الوثائق للملايين من المنازل كانت قد أفلست فعلاً ولم يعد لها وجود، كما أن الكثير من الوثائق القانونية الواجب إلحاقها بوثائق الرهونات هذه فقدت تماماً في خضم العمليات التبادلية، ومن جراء إفلاس وإغلاق الكثير من مؤسسات الرهن والإقراض العقاري الصغيرة بحيث أصبح من المستحيل تماماً تسجيل هذه الوثائق. كما لم يتم ربط استثمارات المستثمرين في صناديق الاستثمار برهونات منازل محددة. وتمخض الوضع عن أطرافٍ مالكة غير محددة، ورهونٍ غير مسجلة، ووثائق رهونات مجزئة، وأوراق رسمية ضائعة، وأطراف راهنة أفلست واختفت، ومقترضون عاجزون عن السداد. ولم يكن يتم طرح السندات تحت الممتازة للمستثمرين إلا بعد أن يتوقف أصحابها عن السداد فعلاً. أي أن المستثمرين الذين كانوا يشترون أجزاءً من أوراق محافظ هذه السندات عالية المخاطر طمعاً في المزيد من الربح، لم يكونوا يشترونها إلا بعد أن تصبح بلا قيمة! مما يجعلهم قانوناً غير مستحقين لأي تعويض؛ لأنهم لم يكونوا أطرافًاً في المشكلة عند وقوعها، بل مجرد أطرافٍ ظهرت فيما بعد وتعرضت لعملية نصب. في النهاية، توقف المقترضون عن سداد الأقساط، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة وشركات التأمين. وعمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تقليص عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية. لقد بلغت قيمتة مشتقات الرهون العقارية في يناير 2007 أكثر من 6.5 تريليون دولار (يبلغ حجم سوق الرهن العقاري في أمريكا 12 تريليون دولار)، وهو تقريباً نصف الإنتاج القومي السنوي الكلي للاتحاد الأوروبي. إن دائنو القروض العقارية يتوقفون عن السداد بمعدل شهري يصل إلي 50 بليون دولار، وهذا يعرضُ سوق المشتقات (الذي تصل قيمته إلى عدة مئات من تريليونات الدولارات) للخطر، مما يعرض عدداً هائلاً من البنوك، بل والنظام البنكي كله لخطر الانهيار. ولوجود هذه الأوراق في حزم تختلط فيها الديون المعدومة بالديون الجيدة، انهارت الثقة في سوق السندات الضمنة بالرهون العقارية كلها. والآن لا يوجد من يرغب في شراء سندات مالية لا يستطيع أحد أن يضع قيمة لها. كما أن الرابح لا يستطيع تحصيل أرباحه من هذا السيرك إلا إذا دفعت الحكومة الخسائر التي لا يستطيع الخاسر أن يدفعها. انهياراتٌ متتالية ففي يونيو 2007 انهار بنك بيرشترن وهو من أكبر البنوك بعد أن حاول التخلص من كل الأوراق المالية المضمنة بالرهون العقارية الموجودة في حوزته، دون جدوى، لعدم وجود مشترٍ لها. وفي 7 سبتمبر 2008 اضطرت إدارة بوش لما يشبه تأميم أكبر مؤسستين للرهن العقاري، حيث أصبحت وزارة الخزانة الأمريكية ضامنة لما يزيد عن 5.3 تريليون دولار قيمة عجز مؤسستي "فاني ماي وفريدي ماك". وهما إما تمتلكان أو تضمنان ما قيمته 6 تريليون دولار من القروض العقارية، أو ما يساوي نصف القروض العقارية في السوق الأمريكية. وفي 15 سبتمبر أفلست مؤسسة ليمان براذرز. وفي 17 سبتمبر وافق البنك الفيدرالي علي دعم شركة AIG للتأمين بمبلغ 85 بليون دولار بسبب ضمانها لأرباح المراهنين علي قيم الأسهم والسندات التي أصبحت بلا قيمة. ومن العجيب أن رؤساء AIG وفاني ماي وفريدي ماك تم عزلهم جميعاً لتزويرهم في الميزانيات. لقد أصدرت AIG (بمباركة من الجميع) وثائق تأمين بنصف تريليون دولار ضمنت فيها جميع الأطراف التي تدخل في المضاربات المالية ضد بعضها علي أن الدولار سوف يرتفع أوينخفض أمام اليورو أو أن سوق الرهن العقاري الذي قيمته 12 تريليون دولار سوف ينتعش أو ينهار، بالإضافة إلي التريليونات من المضاربات في المشتقات في سوق الصرف العالمي، وجمعت البلايين من رسوم الوثائق التي تصدرها الحاسبات. لقد كانت تؤمن الجميع ضد مخاطر المضاربة ضد الجميع، أي أنها كانت خاسرة على أية حال. إن الانهيار التالي المتوقع هو انهيار سوق العقود التبادلية المباشرة (SWAP) وهي عقودٌ تستبدل تدفقات متغيرة أو غير مضمونة بتدفقات ثابتة. لقد انتشر استخدام هذه العقود في مدة 7 سنوات حتى بلغ حجمها الآن حوالي 62 تريليون دولار. وكانت أطراف تلك العقود تعيد بيعها للآخرين الذين يعيدون بيعها بدورهم، بحيث أصبح من الصعوبة علي من وجد هذه العقود في حوزته عند حدوث المشكلة أن يتتبع مسارها السابق ليصل إلي الطرف الذي يجب عليه دفع التعويض عند حدوث الأزمة. وهذه قنبلة يمكن أن تنفجر في أي لحظة. ومع تضاعف عدد المتعثرين مع تطور الأزمة، يؤدي هذا إلي المزيد من التعثر، بما قد يعرض النظام المالي الغربي بأكمله للانهيار. لقد اشترك الجميع في مهرجان النصب والنهب إلي آخر لحظة، حيث أن المضاربين يحققون أرباحاً كبيرة في المضاربة علي السندات حتى أثناء انهيارها، من خلال ما يسمى بالبيع القصير (أي المراهنة على انخفاض أسهم معروفٌ للخاصة أنها سوف تنهار بسبب مشاكلٍ مالية في الشركة). لقد حققت بعض المؤسسات المالية أكبر الأرباح في المضاربة علي أسهم فاني ماي وفريدي ماك أثناء انهيارهما! بل إن هناك مؤسساتٍ مالية كانت تعرف أن الكونجرس سيرفض خطة الدعم المالي مرتين، حققت أرباحاً تقدر بمئآت البلايين من الدولارات في المراهنة على ذلك وبيع الأسهم والسندات والمشتقات، ثم إعادة شراءها في كل مرة تنهار فيها أسعار البورصات بسبب رفض الكونجرس لخطة الدعم. ومن العجيب إنه تم عزل مدراء المؤسسات المالية الذين تورعوا عن الاشتراك في هذه المذبحة والسؤال هنا لماذا تتدخل الحكومة الأمريكية لإقالة هؤلاء المغامرين. يجب ألا ننسى هنا أن هذه المؤسسات المالية هي أكبر المساهمين في تكلفة الحملات الانتخابية الرئاسية، كما أنها هي القوة الضاربة للإمبراطورية الأمريكية المبنية على الديون، تلك القوة المكلفة باستعادة الثروة المالية من الأسواق المالية في العالم. ولحل مشكلة الرهون العقارية يجب خفض سعر الفائدة حتى يتمكن أصحاب العقارات من سداد أقساطها. إلا أن هذا سيؤثر سلباً على سندات الخزانة الأمريكية. ومعنى هذا هو التضحية بالاقتصاد المحلي لكي يتسنى الاحتفاظ بالقدرة علي تمويل العجز التجاري بين أمريكا والعالم، أساس الهيمنة الأمريكية من خلال الديون. ولكنها لا تستطيع أن تكشف هذا للعامة. ولهذا قد تحتاج الحكومة الأمريكية إلى إعلان الأحكام العرفية للحفاظ على القانون والنظام. وقد نشرت صحيفة آرمي تايمز في سبتمبر 2008 أن الحكومة الأمريكية قامت باستدعاء الفرقة الأولى من جيش المشاة الثالث من العراق لتصل إلى أمريكا في أكتوبر لتكون "تحت تصرف الحكومة الفيدرالية وعلى أهبة الاستعداد لمواجهة الطوارئ والكوارث الطبيعية والمصنوعة بما في ذلك الهجمات الإرهابية"، على حد قول الصحيفة. هل الحكومة الفيدرالية تتحسب لمواجهة الاضطرابات المدنية وامكانية تفجر الغضب الشعبي؟ لقد أصبح ثبات الدولار والنظام المالي طوال السنوات الماضية معتمدًا على استمرار التدفقات الضخمة التي تمول عجز الحساب الجاري الضخم، وتمول أيضـًا بناء الإمبراطورية الأمريكية السافرة، بل وتدير عجلة الاقتصاد العالمي. ويبدو أن النظام النقدي المملوك ملكية خاصة والمبني على القروض والديون قد وصل إلى منتهاه، وأصبح يهدد جميع البشر. إن الحل الأمثل هو إلغاءه واستبداله بنظام نقودٍ غيرربوية وليست مبنية على القروض. ولكن هل تجرؤ الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات علي اتخاذ الخطوة الإصلاحية الأساسية وهي تأميم البنك الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الخاصة، التي تشرف علي أعمال كل البنوك والمؤسسات المالية الكبرى في أمريكا والعالم وتديرها لتحقيق المزيد من الأرباح للنخب المالية؟ لقد تم اللجوء إلي الحروب والتهديد بها علي مر التاريخ للخروج من الأزمات الاقتصادية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية علي مر تاريخها لجأت إلى الحروب كلما انهارت قيمة الدولار أو انهار اقتصادها. فهل يحدث هذا أيضاً هذه المرة؟ هل سيجري التضحية بالجميع لكي يتم الاحتفاظ بالقدرة علي شن الحروب والتصرف كدولة عظمى والاستمرار في اقتراض 700 مليون دولار سنوياً لتمويل العجز التجاري، أساس إمبراطورية الديون؟ مشاهد لم تتم بعد إن الشواهد تقول أنه كانت هناك سلسلة من الإجراءآت تمت منذ فترة، حيث طلبت إدارة كلينتون من المؤسسات المالية التوسع في إصدار القروض العقارية للفئات التي لم تكن مؤهلة لهذه القروض من قبل. ويقول ريتشارد كوك الخبير والمحلل الاقتصادي: "إن البنوك أصدرت تعليماتها إلي السماسرة بالتزوير في بيانات المقترضين والمبالغة في تقدير دخولهم". كما بدأت شركات الرهن العقاري بمباركة من جرينسبان في اعطاء قروض بفائدة متغيرة تتضاعف بعد عدة سنوات عند التوقف عن سداد قسط واحد. مع إغراء الناس بإمكان إعادة بيعها وتحقيق أرباح كبيرة قبل أن ترتفع قيمة نسب الفائدة وبعدها بدأت المؤسسات المالية في وول ستريت في تجميع فيضان الرهونات وتوريقها وبيعها للجميع في أنحاء العالم، بعد أن اعطت مؤسسات التقييم تقييماً ممتازاً لتلك الأوراق المالية والسندات المزورة. كما قامت مؤسسات الرقابة علي السندات بتخفيض متطلباتها علي المساهمة الشخصية للمساهمين من أموالهم الخاصة في المضاربات مما أحدث زيادة هائلة في المضاربات والمراهنات باستخدام قروض البنوك. وقالت محطة ABC إن خبراء تحليل المخاطر في بنك واشنجتون ميوتشوال Washington Mutual (هذا البنك الهائل الذي انهار مؤخراً) صدرت إليهم تعليمات بإغفال الإشارة إلي مخاطر القروض العقارية؛ لأن الهدف هو زيادة هذه القروض إلي اقصى حد. وتم إسكات الخبراء المعارضين أو التخلص منهم. كما صدرت الأوامر من وزارة الخزانة والرقابة علي النقد إلي أجهزة الإدعاء العام في الولايات المختلفة بعدم التحقيق في بلاغات التزوير في أوراق الرهون وعدم تحويلها إلي المحاكمة. وأحدث الانهيار في الاقتصاد الأمريكي مع حلول سبتمبر 2008 صدىً كبيراً في العالم كله وبدأت البنوك وصندوق النقد الدولي يحذران من حدوث كسادٍ عالمي. وانطلقت الولايات المتحدة مع دول أوروبا لترتيب سلسلة من مؤتمرات القمم الاقتصادية لإيجاد حل للأزمة المالية العالمية حيث يستضيف جورج بوش المؤتمر الأول في واشنطن في 15 نوفمبر القادم. وبدأ الحديث عن الحاجة إلى منظومة عالمية للأسواق المالية، أي إلى مزيدٍ من الضبط والربط في أيدي الكبار. ومن الملاحظ أنه لم يسمح لبنك بير شتيرن بالانهيار حيث تم دمجه في بنك مورجان تشيس (بـ 2 دولار للسهم بعد أن كان السهم يباع بـ 159 دولار قبل عامٍ واحد) بينما ترك بنك ليمان براذرز لكي ينهار ويفقد كل المستثمرين فيه أموالهم. هل لهذا علاقة بحقيقة أن بنك ليمان براذرز كان يستثمر مئات البلايين من الدولارات للمؤسسات المالية الأوروبية وبعض المؤسسات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط؟ (أعرف أن صندوقاً سيادياً لأحد دول البترول العربية أودع في بنك ليمان 500 مليون دولار إضافية قبل عدة أسابيع فقط من انهياره! هل يختلف مستشارو هذا الصندوق من الأمريكان عن رجال عصابة القناع الأسود أو رجال كابتن مورجان القرصان في شيء؟) لأن انهياره نتج عنه أن فقد كل هؤلاء المستثمرين أموالهم. هل لهذا الأمر علاقة بالحرب أو التنافس بين اليورو والدولار (أي بين أوروبا الموحدة والولايات المتحدة) علي السيطرة المالية علي العالم؟ إن نقطة الضعف الوحيدة لهذا التفسير هي أن هذا الأمر يستلزم أن نفترض سذاجة منقطعة النظير في جانب المؤسسات المالية الأوروبية العريقة التي يرجع تاريخ إنشاؤها قروناً قبل أن تظهر المؤسسات المالية الأمريكية إلي الوجود. إن هذه الحقيقة ترجح احتمال وجود نوعٍ من التفاهم والتنسيق فيما يحدث بين المؤسسات المالية الكبرى علي جانبي الأطلنطي. من المعروف أن آلية اصطناع فقاعة مالية ثم تفجيرها ينتج عنه تدمير الثروات المالية المستثمرة في الأسواق المالية، وينتج عنه أيضاً إفلاس الشركات والبنوك وبيعها بأثمان بخسة لمن يستطيع تدبير السيولة النقدية لذلك ولو بطباعاتها أو خلقها علي شاشة الحاسبات، بما ينتج عنه أيضاً تركيز الثروات في أيدي تلك المؤسسات الكبرى. وقد كانت تلك الفقاعات يتم اصطناعها باستمرار إما في الأسواق المالية المحلية أو في الأسواق المالية الإقليمية كما كان يحدث في أمريكا ودول أوروبا واليابان ودول جنوب شرق آسيا وروسيا. وكما كان يحدث علي مستوى أسواق أوروبا الغربية أو جنوب شرق آسيا ككل. وكانت النتيجة دائماً هي اختفاء الثروات التي جمعت بالكد والعمل أو عن طريق استغلال الثروات الطبيعية للبلدان والشعوب، كما كان ينتج عنها أيضاً المزيد من تركيز الثروات في أيدي المؤسسات المالية الكبرى في العالم. إن الجديد في هذه الأزمة الحالية هو اتساع نطاق تبادل تلك الأوراق المالية المزيفة والمسمومة ليشمل العالم كله تقريباً من خلال الأسواق المالية في أمريكا وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط، بحيث نشاهد حالياً الانهيارات المتتالية للأسواق المالية في كل مكان واختفاء الثروات الورقية، والدعاوى الغريبة لوضع نظم مالية عالمية موحدة. وإذا سمحنا لأنفسنا بأن نستخدم خبرتنا فيما كان يحدث من تركيز الثروات بعد انفجار الفقاعات المالية وانهيار الأسواق المالية في الماضي، فإننا نجد أنفسنا أمام تساؤل غريب، يليق رغم غرابته بعالم تساقطت فيه الحواجز بعد انتشار العولمة: هل هذا الأمر إرهاصة لمزيد من الاستيلاء علي الثروات في العالم كله وتركيزها في أيدي حفنة من المؤسسات المالية العملاقة؟ بقلم د.صلاح عبدالكريم باحث في الاقتصاد السياسي ونائب رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار

رابط المقال الأصلي